الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 85

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الخامس والثمانون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (باب) * (فصل الجماعة وعللها) * الايات: البقرة: واركعوا مع الراكعين (1).

 

(1) البقرة: 43، والاية الكريمة وان كانت في سياق الخطاب مع اليهود، لكن الله عزوجل انما يدعوهم في هذه الايات أولا إلى ما كان فرضا عليهم بالخصوص من الايمان بالقرآن فقال: وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به، ثم نهاهم عما كانوا يفعلون من تلبيس الحق بالباطل فقال: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق و أنتم تعلمون، ثم بعد ذلك وثانيا، أمرهم ودعاهم إلى ما كان أوجبه وأراده من كل مؤمن بالقرآن والرسول، وهو اقامة الصلاة وايتاء الزكاة والركوع مع الراكعين بالاجتماع كما كان يمتثله المسلمون حينذاك. فالاية الكريمة انما تدعو اليهود إلى دين الاسلام، ويشير إلى أن من مهام دين الاسلام الصلاة بالاجتماع جماعة، لا أنها تدعوهم إلى شئ هو زائد على دين الاسلام يخص بهم، حتى يقال: ان القرآن الكريم لم يذكر الاجتماع في الركوع الا في هذه الاية، وهى تخاطب اليهود لا المسلمين.

 

[2]

آل عمران: مخاطبا لمريم عليها السلام: واركعي مع الراكعين (1). الاعراف: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد (2). تفسير: المشهور في الآية الأولى والثانية أن المراد بهما الصلاة مع المصلين جماعة، ولما لم يقل ظاهرا أحد من علمائنا بوجوبها في غير الجمعة والعيدين (3) مع

 

وأما قوله عزوجل: " واركعوا مع الراكعين " فقد عرفت في ج 85 ص 97 أن المراد به الاجتماع في الصلاة واقامتها جماعة، ويرشدنا إلى أن ملاك ادراك الجماعة الركوع، وتوضيحه أن هذه الجملة من المتشابهات بأم الكتاب يشبه أن يكون أمره بالركوع مع الراكعين حكما عليحدة في قبال الصلاة والزكاة، وليس كذلك، ولذلك أوله النبي إلى ركوع الصلاة فكانت الصلاة بالجماعة سنة من تركها رغبة عنها فقد عصى على حد سائر السنن التى ذكرت في القرآن العزيز بصورة المتشابهات وسيمر عليك في طى الباب احاديث تنص على ذلك انشاء الله تعالى. (1) آل عمران: 43، والاية تدل على شرافة عظيمة لمريم عليها السلام حيث أمرها الله بالصلاة جماعة، مع أنه لا جماعة على النساء، وتدل أيضا على أن اليهود أو عبادهم و نساكهم كانوا يجتمعون لصلاتهم ويصلون جماعة، وأن صلاتهم أيضا كانت ذات ركوع رغما لما قد يقال: ان صلاتهم كانت من دون ركوع على حد صلاة المسلمين في صدر الاسلام. (2) الاعراف: 29، وقد مر الكلام فيها في ج 84 ص 195، وأن المراد بها الصلاة في المسجد كما قال صلى الله عليه وآله " لا صلاة لجار المسجد الا في مسجده " وانما ذكرت الاية في الباب، لان موضع اجتماع المسلمين هو المسجد، وإذا وجب عليهم الاجتماع في الصلاة انصرف الوجوب إلى الاجتماع في المسجد. (3) الجماعة والاجتماع في صلاة الجمعة فرض بآية الجمعة على ما سيأتي بيانها في محله فلا تصح الجمعة الا بالاجتماع واما سائر الصلوات فالجماعة فيها سنة واجبة في حال الاختيار لا يجوز تركها الا عند العذر على حد سائر السنن والا لكان المصلى بغير جماعة راغبا عن سنته صلى الله عليه وآله وقد قال: ومن رغب عن سنتى فليس منى.

 

[3]

الشرايط، حملوها على الاستحباب أو الجمعة والعيدين، والثانية تدل على استحبابها للنساء، وأما الثالثة فقال في مجمع البيان (1) عند ذكر الوجوه في تفسيرها: ورابعها أن معناه اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة أمرا بالجماعة لها ندبا عند الأكثرين وحتما عند الأقلين. 1 - ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد، عن حماد بن عمرو، عن أبي الحسن الخراساني، عن ميسر بن عبد الله، عن أبي عايشة السعدي، عن يزيد بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مشى إلى مسجد من مساجد الله عزوجل فله بكل خطوة يخطوها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ويرفع له عشر درجات. ومن حافظ على الجماعة حيث ما كان مر على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة مع السابقين، ووجهه أضوء من القمر ليلة البدر، وكان له بكل يوم وليلة حافظ عليها ثواب شهيد، ومن حافظ على الصف المقدم فيدرك من الأجر مثل ما للمؤذن، وأعطاه الله عزوجل في الجنة مثل ثواب المؤذن (2). 2 - مجالس الصدوق: عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن علي بن جعفر، عن محمد بن عمر الجرجاني قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام: أول جماعة كانت أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام معه إذ مر به أبو طالب وجعفر معه فقال: يا بني صل جناح ابن عمك فلما أحس رسول الله تقدمهما وانصرف أبو طالب مسرورا إلى أن قال:

 

واما صلاة العيدين، فهما أيضا سنة استنهما النبي صلى الله عليه وآله على كيفية صلاة الجمعة لتكون السنن ضعفى الفريضة، حتى من حيث كيفياتها، وسيأتى الكلام في محله. (1) مجمع البيان ج 4 ص 411. (2) ثواب الاعمال ص 259 في حديث طويل.

 

[4]

فكانت أول جماعة جمعت ذلك اليوم (1). بيان: صل جناح ابن عمك أي تمم جناحه، فان عليا عليه السلام بمنزلة أحد الجناحين، فكن جناحه الآخر، والقراءة بالتشديد بعيدة، والخبر يدل على أنه يستحب للامام أن يتقدم إذا تعدد المأموم، وقال العلامة في المنتهى: لو أم اثنين فوقف إلى جنبه أخرهما الامام، وقال أبو حنيفة: بل يتقدم هو، لنا أن النبي صلى الله عليه وآله أخرج جابر وجبارا عن جنبيه، وجعلهما خلفه، ولأنه الأصل في الصلاة فكره له الاشتغال بما ليس من الصلاة بخلاف المأموم انتهى، وهذه الرواية أقوى ورواية جابر عامية، ويمكن الجمع بحملها على قبل الصلاة، وهذه على ما إذا حدث في أثنائهما. 3 - تنبيه الخاطر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يستحيي من عبده إذا صلى في جماعة ثم سأله حاجة أن ينصرف حتى يقضيها (2)، 4 - تحف العقول: عن الرضا عليه السلام قال: فضل الجماعة على الفرد بكل ركعة ألفا ركعة ولا تصلي خلف فاجر، ولا تقتدي إلا بأهل الولاية (3). 5 - الذكرى: عن النبي صلى الله عليه وآله: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع و عشرين درجة (4). ثم قال - ره - الفذ بالفاء والذال المعجمة المفرد. ومنه: عن النبي صلى الله عليه وآله من صلى أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق (5). 6 - النفلية: عن النبي صلى الله عليه وآله: لا صلاة لمن لم يصل في المسجد مع المسلمين

 

(1) أمالى الصدوق: 304. (2) تنبيه الخواطر: 4، رواه عن ابى سعيد الخدرى. (3) تحف العقول ص 440 ط الاسلامية. (4 - 5) الذكرى: 267.

 

[5]

إلا من علة (1). وعنه صلى الله عليه وآله: الصلاة جماعة ولو على رأس زج. وعنه صلى الله عليه وآله: إذا سئلت عمن لا يشهد الجماعة فقل لا أعرفه. وعن الصادق عليه السلام: الصلاة خلف العالم بألف ركعة، وخلف القرشى بمائة، وخلف العربي خمسون، وخلف المولى خمس وعشرون. بيان: قال الشهيد الثاني - رحمه الله - في الخبر الأول: المراد نفي الكمال لا الصحة لاجماعنا على صحة الصلاة فرادى، والتقييد بالمسجد بناء على الأغلب من وقوع الجماعة فيه، وإلا فالنفي المذكور متوجه إلى مطلق الفرادى، وقال: الزج بضم الزاء والجيم المشددة الحديدة في أسفل الرمح والعنزة، هذا على طريق المبالغة في المحافظة عليها مع السعة والضيق، والصلاة منصوبة بتقدير احضروا ونحوه، أو مرفوعة على الابتداء. " فقل لا أعرفه " أي لا تزكه بالعدالة (2) وإن ظهر منه المحافظة على الواجبات بترك المنهيات، لتهاونه بأعظم السنن وأجلها، وعدم المعرفة له كناية عن القدح فيه بالفسق وتعريض به، وقد وقع مصرحا به في حديث آخر رويناه (3) عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلين إلا لعلة، ولا غيبة لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين سقط عدالته ووجب هجرانه، وإن رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذره، ومن لزم جماعة المسلمين حرمت عليهم غيبته وثبتت عدالته. وقال: المراد بالقرشي المنسوب إلى النضر بن كنانة جد النبي صلى الله عليه وآله والسادة الأشراف أجل هذه الطائفة، والعربي المنسوب إلى العرب يقابل العجمي وهو المنسوب إلى غير العرب مطلقا والمولى يطلق على معاني كثيرة، والمراد هنا غير

 

(1) قد عرفت الوجه في ذلك. (2) وذلك إذا كان تركه رغبة عنها من دون علة. (3) رواه في الذكرى ص 267.

 

[6]

العربي بقرينة ما قبله، وكثيرا ما يطلق المولى على غير العربي وإن كان حر الأصل. 7 - مجالس الصدوق: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن جعفر الأسدي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن عبد الله بن وهب، عن ثوابة بن مسعود عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من صلى صلاة الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله عزوجل حتى تطلع الشمس، كان له في الفردوس سبعون درجة، بعد ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، ومن صلى الظهر في جماعة كان له في جنات عدن خمسون درجة بعد ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد خمسين سنة، ومن صلى العصر في جماعة كان له كأجر ثمانية من ولد إسماعيل كل منهم رب بيت يعتقهم، ومن صلى المغرب في جماعة كان له كحجة مبرورة، وعمرة متقبلة، و من صلى العشا في جماعة كان له كقيام ليلة القدر (1). بيان: الحضر بالضم العدو، وقال في النهاية: فيه من صام يوما في سبيل الله باعده الله من النار سبعين خريفا للمضمر المجيد، المضمر الذي يضمر خيله لغزو أو سباق، وتضمير الخيل هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف، وقيل أن تشد عليها سروجها وتجلل الأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب وهلها ويشتد لحمها، أي يباعده منها مسافة سبعين سنة تقطعها الخيل المضمرة ركضا. 8 - الخصال (2) والمجالس: بالاسناد المتقدم في خبر نفر من اليهود جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال النبي صلى الله عليه وآله: وأما الجماعة فان صفوف امتي في الأرض كصفوف الملائكة في السماء، والركعة في جماعة أربعة وعشرون ركعة كل ركعة أحب إلى الله عزوجل من عبادة أربعين سنة، وأما يوم القيامة يجمع الله فيه الأولين و الآخرين للحساب، فما من مؤمن مشى إلى الجماعة إلا خفف الله عليه عزوجل

 

(1) أمالى الصدوق: 41 في حديث. (2) الخصال ج 2 ص 9.

 

[7]

أهوال يوم القيامة ثم يأمر به إلى الجنة (1). 9 - المجالس: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن عبد الله بن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن عمه عبد العزيز، عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا أدلكم على شئ يكفر الله به الخطايا، ويزيد في الحسنات ؟ قيل: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه وآله: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى هذه المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وما منكم من أحد يخرج من بيته متطهرا فيصلي الصلاة في الجماعة مع المسلمين ثم يقعد ينتظر الصلاة الاخرى، إلا والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم وأقيموها وسدوا الفرج، وإذا قال إمامكم الله أكبر فقولوا: الله أكبر وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإن خير الصفوف صف الرجال المقدم، وشرها المؤخر (2). 10 - معاني الاخبار (3) والمجالس: عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، يسكنها من امتي من أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأفشا السلام، وصلى بالليل والناس نيام. فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ومن يطيق هذا من امتك ؟ فقال: يا علي أو ما تدري ما إطابة الكلام ؟ من قال: إذا أصبح وأمسى " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " عشر مرات، وإطعام الطعام نفقة الرجل على عياله، وأما الصلاة بالليل والناس نيام فمن صلى المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة في المسجد

 

(1) أمالى الصدوق ص 117. (2) أمالى الصدوق ص 194. (3) معاني الاخبار ص 250.

 

[8]

في جماعة فكأنما أحيا الليل كله، وإفشاء السلام أن لا يبخل بالسلام على أحد من المسلمين (1). 11 - المجالس: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد بن عامر عن عمه عبد الله، عن محمد بن زياد، عن إبراهيم بن زياد، عن الصادق عليه السلام قال: من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيرا، وأجيزوا شهادته (2). ومنه: في خبر المناهي: قال النبي صلى الله عليه وآله: من أم قوما باذنهم، وهم به راضون فاقتصد بهم في حضوره وأحسن صلاته بقيامه وقراءته وركوعه وسجوده وقعوده، فله مثل أجر القوم، ولا ينقص من اجورهم شئ، ألا ومن أم قوما بأمرهم ثم لم يتم بهم الصلاة، ولم يحسن في ركوعه وسجوده وخشوعه وقراءته، ردت عليه صلاته، ولم تجاوز ترقوته، وكانت منزلته كمنزلة إمام جائر معتد لم يصلح إلى رعيته، ولم يقم فيهم بحق ولا قام فيهم بأمر (3). وقال عليه السلام: ألا ومن مشى إلى مسجد يطلب فيه الجماعة كان له بكل خطوة سبعون ألف حسنة، ويرفع له من الدرجات مثل ذلك، وإن مات وهو على ذلك وكل الله به سبعين ألف ملك يعودونه في قبره، ويونسونه في وحدته، ويستغفرونه له حتى يبعث (4). ومنه: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون القداح عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: اشترط رسول الله صلى الله عليه وآله على جيران المسجد شهود الصلاة، وقال لينتهين أقوام لا يشهدون الصلاة، أو لآمرن مؤذنا يؤذن ثم يقيم ثم آمر رجلا من أهل بيتي وهو علي فليحرقن على أقوام بيوتهم بحزم الحطب لأنهم لا يأتون الصلاة (5).

 

(1) أمالى الصدوق ص 198. (2) أمالى الصدوق ص 204. (3) أمالى الصدوق ص 258. (4) أمالى الصدوق ص 259. (5) أمالى الصدوق ص 290.

 

[9]

ثواب الاعمال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم مثله (1). المحاسن: عن جعفر بن محمد الأشعري عن القداح مثله (2). 12 - مجالس الصدوق: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد ابن عامر، عن عمه عبد الله، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام قال: صلى رسول الله الفجر فلما انصرف أقبل بوجهه على أصحابه فسأل عن اناس هل حضروا ؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال أغيب هم ؟ قالوا: لا، فقال: أما إنه ليس من صلاة أشد على المنافقين من هذه الصلاة والعشاء (3). ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسن ابن علي الوشاء، عن ابن سنان مثله (4). المحاسن: عن الوشا مثله (5). 13 - المجالس (6): عن جعفر بن علي الكوفي، عن جده الحسن بن علي عن جده عبد الله بن المغيرة، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سمع النداء في المسجد فخرج منه من غير علة فهو منافق إلا أن يريد الرجوع إليه (7). الخصال: عن علي بن الحسين عليه السلام قال: ما من خطوة أحب إلى الله من خطوتين: خطوة يسد بها المؤمن صفا في الله، وخطوة إلى ذي رحم قاطع (8).

 

(1) ثواب الاعمال ص 208 و 209. (2) المحاسن ص 84 وفى ط كمباني المجالس وهو سهو. (3) أمالى الصدوق ص 291. (4) ثواب الاعمال ص 208. (5) المحاسن ص 84. (6) في مطبوعة الكمبانى المحاسن، وهو تصحيف. (7) أمالى الصدوق ص 300. (8) الخصال ج 1 ص 26 في حديث.

 

[10]

بيان: يحتمل صف الجهاد والجماعة والأعم. 14 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: مروة الحضر قراءة القرآن، ومجالسة العلماء، والنظر في الفقه، والمحافظة على الصلاة في الجماعات الخبر (1). 15 - المعاني (2) والخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبي جميلة، عن سعد بن طريف، عن الباقر عليه السلام قال: ثلاث كفارات إسباغ الوضوء في السبرات، والمشي بالليل والنهار إلى الصلوات، و المحافظة على الجماعات (3). 16 - الخصال: فيما أوصى به النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام: يا علي ثلاث درجات: إسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات (4). أقول: قد مضى باسناد آخر في باب المنجيات (5). ومنه: عن عبيد بن أحمد الفقيه، عن أبي حرب، عن محمد بن أبي أجيد، عن ابن أبي عيسى الحافظ، عن محمد بن إبراهيم، عن ابن بكير، عن الليث، عن أبي الهاد، عن عبد الله بن حباب، عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

 

(1) الخصال ج 1 ص 28. (2) معاني الاخبار ص 314. (3) الخصال ج 1 ص 41، مثله في المحاسن ص 4، ورواه الصدوق أيضا في اماليه ص 329. (4) الخصال ج 1 ص 42. (5) راجع ج 70 ص 5 - 7.

 

[11]

قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة (1). قال - ره - وقال أبي رضي الله عنه في رسالته إلى: لصلاة الرجل في جماعة على صلاة الرجل وحده خمس وعشرون درجة في الجنة (2). ومنه: في خبر الأعمش قال الصادق عليه السلام: فضل الجماعة على الفرد بأربع و عشرين (3). 17 - مجالس ابن الشيخ: فيما كتب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن أبي بكر: انظر إلى صلاتك كيف هي ؟ فانك إمام لقومك - أن تتمها ولا تخففها، فليس من إمام يصلي بقوم يكون في صلاتهم نقصان إلا كان عليه لا ينقص من صلاتهم شئ وتممها و تحفظ فيها يكن لك مثل أجرهم، ولا ينقص ذلك من أجرهم شيئا (4). 18 - العلل: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسن، عن ذبيان بن حكيم الأزدي، عن موسى بن النمير عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع ولولا ذلك لم يمكن أحدا أن يشهد على أحد بصلاح، لأن من لم يصل في جماعة فلا صلاة له بين المسلمين، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا صلاة لمن لم يصل في المسجد مع المسلمين إلا من علة (5). بيان: " ولولا ذلك " أي لو لم يحضروا الآن الجماعة بعد تأكده، لا أنه لو لم يفرد أولا كان كذلك. 19 - مجالس الصدوق: عن الحسين بن إبراهيم بن ناتانه، عن علي بن

 

(1) الخصال ج 2 ص 102. (2) الخصال ج 2 ص 103. (3) الخصال ج 2 ص 151. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 29. (5) علل الشرايع ج 2 ص 15.

 

[12]

إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من ترك الجماعة رغبة عنها وعن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له (1). ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد عن حريز وفضيل، عن زرارة مثله (2). المحاسن: في رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام مثله (3). 20 - العلل والعيون: عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن قتيبة عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل عن الرضا عليه السلام فان قال: فلم جعلت الجماعة ؟ قيل: لأن لا يكون الاخلاص والتوحيد والاسلام والعبادة لله إلا ظاهرا مكشوفا مشهودا، لأن في إظهاره حجة على أهل المشرق والمغرب لله عزوجل، وليكون المنافق والمستخف مؤديا لما أقر به يظهر الاسلام والمراقبة، وليكون شهادات الناس بالاسلام من بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البر و التقوى، والزجر عن كثير من معاصي الله عزوجل (4). 21 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد البرقي، عن ابن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الصلاة في الجماعة تفضل على صلاة المفرد بثلاث وعشرين درجة، تكون خمسا و عشرين صلاة (5). 22 - المحاسن: عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمة الله

 

(1) أمالى الصدوق ص 290. (2) ثواب الاعمال: 209. (3) المحاسن: 84. (4) علل الشرايع ج 1 ص 249، عيون الاخبار ج 2 ص 109. (5) ثواب الاعمال: 34.

 

[13]

فمن ظلمه فانما ظلم الله، ومن حقره فانما يحقر الله (1). بيان: في أكثر نسخ الحديث " ومن حقره " بالحاء المهملة والقاف من التحقير، وفي بعضها بالخاء المعجمة والفاء من الخفر وهو نقض العهد، يعني لما كان في أمان الله فنقض عهده نقض عهد الله تعالى، وهكذا رواه في الذكرى (2) أيضا ثم قال: وعن النبي صلى الله عليه وآله من صلى الغداة فانه في ذمة الله فلا يخفرن الله في ذمته يقال: أخفرته إذا نقضت عهده، أي من نقض عهده فانه ينقض عهد الله عزوجل لأنه بصلاته صار في ذمة الله وجواره. قال في النهاية بعد ذكر الرواية الثانية خفرت الرجل أجرته وحفظته، وخفرته إذا كنت له خفيرا أي حاميا وكفيلا، والخفارة بالكسر والضم الذمام، وأخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه، والهمزة فيه للازالة أي أزلت خفارته، وهو المراد بالحديث. 23 - المحاسن، في رواية محمد بن علي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الايمان من عنقه (3). بيان: الظاهر أن المراد هنا ترك إمام الحق، وإن أمكن شموله لترك الجماعة أيضا. 24 - المحاسن: في رواية أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام: من سمع النداء من جيران المسجد فلم يجب فلا صلاة له (4). 25 - مجالس ابن الشيخ: عن الحسين بن عبيدالله الغضايري، عن التلعكبرى، عن محمد بن همام، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن زريق الخلقاني قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: رفع إلى أمير - المؤمنين عليه السلام بالكوفة أن قوما من جيران المسجد لا يشهدون الصلاة جماعة في المسجد

 

(1) المحاسن ص 84. (2) الذكرى: 267. (3 - 4) المحاسن: 85.

 

[14]

فقال عليه السلام: ليحضرن معنا صلاتنا جماعة، أو ليتحولن عنا، ولا يجاورونا ولا نجاورهم (1). ومنه: بهذا الاسناد عن زريق قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلاة الرجل في منزله جماعة تعدل أربعا وعشرين صلاة، وصلاة الرجل جماعة في المسجد تعد ثمانيا وأربعين صلاة مضاعفة في المسجد، وإن الركعة في المسجد الحرام ألف ركعة في سواه من المساجد، وإن الصلاة في المسجد فردا بأربع وعشرين صلاة، والصلاة في منزلك فردا هباء منثور، لا يصعد منه إلى الله تعالى شئ، ومن صلى في بيته جماعة رغبة عن المساجد فلا صلاة له ولا لمن صلى معه إلا من علة تمنع من المسجد (2). وبهذا الاسناد عن زريق، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام بلغه أن قوما لا يحضرون الصلاة في المسجد فخطب فقال: إن قوما لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا. فلا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا، ولا يأخذوا من فيئنا شيئا أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، وإني لاوشك أن آمر لهم بنار تشعل في دورهم، فاحرقها عليهم، أو ينتهون. قال: فامتنع المسلمون عن مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتى حضروا الجماعة مع المسلمين (3). 26 - روى الشهيد الثاني قدس سره في شرحه على الارشاد من كتاب الامام والمأموم للشيخ أبي محمد جعفر بن أحمد القمي باسناده المتصل إلى أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتانى جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر، فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام وأهدى إليك هديتين لم يهدهما إلى نبي قبلك، قلت: وما تلك الهديتان ؟ قال: الوتر ثلاث ركعات والصلاة الخمس في جماعة. قلت: يا جبرئيل وما لأمتي في الجماعة ؟ قال: يا محمد إذا كانا اثنين كتب الله لكل واحد بكل ركعة مائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا ثلاثة كتب لكل واحد بكل

 

(1 و 2) أمالى الطوسى ج 2 ص 307. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 308.

 

[15]

ركعة ست مائة صلاة، وإذا كانوا أربعة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ألفا ومأتي صلاة، وإذا كانوا خمسة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ألفين وأربعمائة، وإذا كانوا ستة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة أربعة آلاف وثمانمائة صلاة، وإذا كانوا سبعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة آلاف وست مائة صلاة، وإذا كانوا ثمانية كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة عشر ألفا ومائتي صلاة، وإذا كانوا تسعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ستة وثلاثين ألفا وأربعمائة صلاة وإذا كانوا عشرة كتب الله لكل واحد بكل ركعة سبعين ألفا وألفين وثمان مائة صلاة، فان زادوا على العشرة فلو صارت السموات كلها مدادا والأشجار أقلام، والثقلان مع الملائكة كتابا لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة. يا محمد تكبيرة يدركها المؤمن مع الامام خير من ستين ألف حجة وعمرة، و خير من الدنيا وما فيها سبعين ألف مرة، وركعة يصليها المؤمن مع الامام خير من مائة ألف دينار يتصدق بها على المساكين وسجدة يسجدهما المؤمن مع الامام في جماعة خير من عتق مائة رقبة. 27 - جامع الاخبار: عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدرى مثله إلى قوله يا محمد تكبير يدركه المؤمن خير له من سبعين حجة وألف عمرة سوى الفريضة، يا محمد ركعة يصليها المؤمن مع الامام خير له من أن يتصدق بمائة ألف دينار على المساكين وسجدة يسجدها خير له من عبادة سنة، وركعة يركعها المؤمن مع الامام خير من مائة رقبة يعتقها في سبيل الله، يا محمد من أحب الجماعة أحبه الله والملائكة أجمعون (1). بيان: بناء أكثر المثوبات وزيادتها في زيادة الاعداد على التضعيف إلا الأول والثامن والتاسع، فان التسعة على هذا الحساب ينبغي أن يكون ثوابها ثمانية وثلاثين ألفا وأربع مائة، والعشرة سبعين ألفا وستة آلاف وثمان مائة، ولعله من الروات أو النساخ.

 

(1) جامع الاخبار 89 - 90. (*)

 

[16]

28 - الهداية: قال الصادق عليه السلام: فضل صلاة الرجل في جماعة على صلاة الرجل وحده خمس وعشرون درجة في الجنة (1). 29 - كتاب زيد النرسى: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قوما جلسوا عن حضور الجماعة فهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشعل النار في دورهم حتى خرجوا وحضروا الجماعة مع المسلمين. بيان: ظاهر هذا الخبر وأمثاله وجوب الجماعة في اليومية، ولم ينقل عن أحد من علمائنا القول به. وخالف فيه أكثر العامة فقال بعضهم: فرض على الكفاية في الصلوات الخمس، وقال آخرون: إنها فرض على الأعيان، وقال بعضهم: إنها شرط في الصلاة تبطل بفواتها، ولذا أول أصحابنا هذه الأخبار فحملوها تارة على الجماعة الواجبة كالجمعة، واخرى على ما إذا تركها استخفافا. وربما يقال العقوبة الدنيوية لا تنافي الاستحباب، كالقتل على ترك الأذان، ولا يخفى ضعفه، إذ لا معنى للعقوبة على مالا يلزم فعله، ولا يستحق تاركه الذم و اللؤم كما فسر أكثرهم الواجب به، والقول بأنه كان واجبا في صدر الاسلام فنسخ أو كان الحضور مع إمام الأصل واجبا - فمع أن أكثر الأخبار لا يساعدهما - لم أر قائلا بهما أيضا، وبالجملة الاحتياط يقتضي عدم الترك إلا لعذر، وإن كان بعض الأخبار يدل على الاستحباب، وكفى بفضلها أن الشيطان لا يمنع من شئ من الطاعات منعها وطرق لهم في ذلك شبهات من جهة العدالة ونحوها، إذ لا يمكنهم إنكارها ونفيها رأسا، لأن فضلها من ضروريات الدين، أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين من وساوس الشياطين. 30 - دعائم الاسلام: روينا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى الصلاة في جماعة فظنوا به كل خير، واقبلوا شهادته (2).

 

(1) الهداية: 34. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 153.

 

[17]

وعن جعفر بن محمد قال: الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الفذ بأربع وعشرين صلاة (1). وعن أبي جعفر محمد بن علي أنه سئل عن الصلاة في جماعة أفريضة، قال: الصلاة فريضة، وليس الاجتماع في الصلوات بمفروض، ولكنها سنة ومن تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين لغير عذر ولا علة فلا صلاة له (2). وعن علي عليه السلام أنه قال: من صلى الفجر في جماعة رفعت صلاته في صلاة الأبرار وكتب يومئذ في وفد المتقين (3). وعن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: قام علي عليه السلام الليل كله حتى إذا انشق عمود الصبح صلى الفجر وخفق برأسه، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الغداة لم يره فأتى فاطمة فقال: أي بنية ما بال ابن عمك لم يشهد معنا صلاة الغداة ؟ فأخبرته الخبر، فقال: ما فاته من صلاة الغداة في جماعة أفضل من قيام ليله كله. فانتبه علي لكلام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا علي إن من صلى الغداة في جماعة فكأنما قام الليل كله راكعا وساجدا يا علي أما علمت أن الأرض تعج إلى الله من نوم العالم عليها قبل طلوع الشمس (4). وعن علي عليه السلام أنه غدا على أبي الدرداء فوجده نائما فقال له: مالك ؟ فقال: كان مني من الليل شئ فنمت، فقال علي: أفتركت صلاة الصبح في جماعة ؟ قال: نعم، قال علي: يا أبا الدرداء لأن اصلي العشاء والفجر في جماعة أحب إلى من أن أحيى ما بينهما، أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، وإنهما ليكفران ما بينهما (5). وعن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: أتى رجل من جهينة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أكون بالبادية ومعي أهلي وولدي وغلمتي فاؤذن واقيم واصلي بهم أفجماعة نحن ؟ قال: نعم، قال: فان الغلمة ربما اتبعوا

 

(1 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 153. (5) دعائم الاسلام ج 1 ص 154.

 

[18]

الابل وأبقى أنا وأهلي وولدي فاؤذن واقيم واصلي بهم أفجماعة نحن ؟ قال: نعم، قال: فان بنى ربما اتبعوا قطر السحاب فأبقى أنا وأهلي فاؤذن واقيم واصلي بهم أفجماعة نحن ؟ قال: نعم، قال: فان المرءة تذهب في مسلحتها فأبقى وحدي فأوذن و اقيم واصلي أفجماعة أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: المؤمن وحده جماعة (1). وقد ذكرنا فيما تقدم أن المؤمن إذا أذن وأقام صلى خلفه صفان من الملائكة. وعن علي عليه السلام أنه قال: تحت ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله رجل خرج من بيته فأسبغ الطهر ثم مشى إلى بيت من بيوت الله، ليقضي فريضة من فرائض الله، فهلك فيما بينه وبين ذلك، ورجل قام في جوف الليل بعد ما هدأت العيون فأسبغ الطهر ثم قام إلى بيت من بيوت الله فهلك فيما بينه وبين ذلك (2). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إسباغ الوضوء في المكاره، ونقل الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة تغسل الخطايا غسلا (3). وعنه عليه السلام أنه قال: خير صفوف الصلاة المقدم، وخير صفوف الجنائز المؤخر، قيل: يا رسول الله وكيف ذلك ؟ قال: لانه ستر للنساء، وخير صفوف الرجال أولها وخير صفوف النساء آخرها، ولو يعلم الناس ما في الصف الأول لم يصل إليه أحد إلا باستهام (4). وعن علي عليه السلام قال: أفضل الصفوف أولها، وهو صف الملائكة، وأفضل المقدم ميامن الامام (5). وعنه عليه السلام أنه قال: سدوا فرج الصفوف، من استطاع أن يتم الصف الأول والذي يليه فليفعل، فان ذلك أحب إلى نبيكم، وأتموا الصفوف، فان الله وملائكته يصلون على الذين يتمون الصفوف (6). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: أتموا الصفوف ولا يضر أحدكم أن يتأخر

 

(1 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 154. (5 - 6) دعائم الاسلام ج 1 ص 155.

 

[19]

إذا وجد ضيقا في الصف الأول، فيتم الصف الذي خلفه، وإن رأى خللا أمامه فلا يضره أن يمشي منحرفا - إن تحرف عنه - حتى سده يعني وهو في الصلاة (1). بيان: أكثر هذه الأخبار مذكورة في الكتب المشهورة، وقال في النهاية فيه: لو يعلمون ما في العشاء والفجر لأتوهما ولو حبوا: الحبو أن يمشي على يديه وركبتيه أواسته، وحبا الصبي إذا زحف على استه، وفي القاموس: الغلام: الطار الشارب والجمع أغلمة وغلمة انتهى قوله صلى الله عليه وآله: المؤمن وحده جماعة قال الصدوق - ره -: لانه متى أذن وأقام صلى خلفه صفان من الملائكة، ومتى أقام ولم يؤذن صلى خلفه صف واحد انتهى. وقال الوالد قدس سره: لما كان صلاة المؤمن الكامل غالبا مع حضور القلب، فيكون قلبه بمنزلة الامام، وحواسه الباطنة والظاهرة وقواه وجوارحه بمنزلة المقتدين كما قال صلى الله عليه وآله: لو خشع قلبه لخشعت جوارحه. وقال الشهيد - ره -: المراد به إدراك فضيلة الجماعة عند تعذرها، ويؤيد الأول ما سيأتي في خبر ابن مسعود. قوله: " إلا باستهام " أي إلا بأن نازعه الناس فأقرعوا فخرج القرعة باسمه، قال في النهاية فيه: اذهبا فتوخيا ثم استهما أي اقترعا ليظهر سهم كل واحد منكما. 31 - الروضة: للشهيد الثاني: الجماعة مستحبه في الفريضة متأكدة في اليومية حتى أن الصلاة الواحدة منها تعدل خمسا أو سبعا وعشرين مع غير العالم، ومعه ألفا ولو وقعت في مسجد يضاعف بمضروب عدده في عددها ففي الجامع مع غير العالم ألفان وسبع مائة، ومعه مائة ألف (2). قال: وروي أن ذلك مع اتحاد المأموم، فلو تعدد تضاعف في كل واحد بقدر المجموع في سابقه (3). 32 - كتاب الامامة والتبصرة: لعلى بن بابويه، عن أحمد بن علي، عن

 

(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 155. (2 - 3) الروضة البهية (شرح اللمعة) ص 70 الفصل 11.

 

[20]

محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سووا صفوفكم فان تسوية الصف تمام الصلاة. ومنه: عن هارون بن موسى، عن محمد بن علي، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن ابن فضال، عن الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: الصف الأول في الصلاة أفضل، والصف الأخير على الجنازة أفضل. ومنه: عن أحمد بن إسماعيل، عن أحمد بن إدريس، عن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة، عن جعفر بن محمد بن عبد الله، عن عبد الله بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو علم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه. ومنه: عن سهل بن أحمد، عن محمد بن محمد بن الأشعث، عن موسى بن إسماعيل ابن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرجل أحب أن يؤم في بيته الخبر.


 

[21]

2 - { باب } " (أحكام الجماعة) " الايات: الاعراف: وإذا قرئ القرآن فاستعموا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (1). الحجر: ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (2). تفسير: الآية الأولى بعمومها تدل على وجوب الاستماع والسكوت عند قراءة كل قارئ في الصلاة وغيرها، بناء على كون الأمر مطلقا أو أوامر القرآن للوجوب، والمشهور الوجوب في قراءة الامام، والاستحباب في غيره (3)، مع أن ظاهر كثير من الاخبار المعتبرة الوجوب مطلقا إلا صحيحة زرارة (4) عن أبي جعفر عليه السلام قال: وإن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا في الاوليين وأنصت لقراءته، ولا تقرأن شيئا في الأخيرتين (5) فان الله عزوجل يقول للمؤمنين " وإذا قرئ القرآن " يعني في الفريضة خلف الامام " فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " والأخريان تبع للأوليين. ويمكن حمله على أنها نزلت في ذلك فلا ينافي عمومها. لكن نقلوا الاجماع على عدم وجوب الانصات في غير قراءة الامام، وربما يؤيد ذلك بلزوم الحرج، والأمر بالقراءة خلف من لا يقتدى به، ويمكن دفع الحرج بأنه إنما يلزم بترك الجماعة الشايع في هذا الزمان، وأما النوافل فكانوا يصلونها في البيوت

 

(1) الاعراف: 204. (2) الحجر: 24. (3) قد عرفت الوجه في الاية في ج 85 ص 69. (4) الفقيه ج 1 ص 256، ورواه في السرائر: 471. (5) محمول على القراءة خلف أئمة العامة، فانهم يقرؤن في كل الركعات بفاتحة الكتاب.

 

[22]

والأمر بها خلف من لا يقتدى به للضرورة لا يوجب عدم وجوب الانصات في غيرها، مع أنه قد وردت الرواية فيها أيضا بالانصات وبالجملة المسألة لا تخلو من إشكال والأحوط رعاية الانصات مهما أمكن. قال في مجمع البيان: (1) الانصات السكوت مع استماع قال ابن الأعرابي: نصت وأنصت استمع الحديث وسكت، وأنصته وأنصت له، وأنصت الرجل سكت وأنصته غيره عن الأزهري. ثم قال: اختلف في الوقت المأمور بالانصات للقرآن والاستماع له، فقيل إنه في الصلاة خاصة خلف الامام الذي يؤتم به، إذا سمعت قراءته عن ابن عباس وابن مسعود وابن جبير وابن المسيب ومجاهد والزهري، وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام. قالوا: وكان المسلمون يتكلمون في صلاتهم ويسلم بعضهم على بعض، وإذا دخل داخل فقال لهم: كم صليتم أجابوه، فنهوا عن ذلك وامروا بالاستماع، وقيل: إنه في الخطبة أمر بالانصات والاستماع إلى الامام يوم الجمعة عن عطا وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم، وقيل: إنه في الخطبة والصلاة جميعا عن الحسن وجماعة. قال الشيخ أبو جعفر قدس سره: أقوى الأقوال الأول لأنه لا حال يجب فيها الانصات لقراءة القرآن إلا حال قراءة الامام في الصلاة، فان على المأموم الانصات والاستماع له، فأما خارج الصلاة فلا خلاف أن الانصات والاستماع غير واجب، وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: يجب الانصات للقرآن في الصلاة وغيرها، قال: وذلك على وجه الاستحباب. وفي كتاب العياشي (2) عن أبي كهمس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قرأ ابن الكوا خلف أمير المؤمنين عليه السلام " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " (3)

 

(1) مجمع البيان ج 4 ص 515. (2) تفسير العياسى ج 2 ص 44. (3) الزمر: 65.

 

[23]

فأنصت له أمير المؤمنين عليه السلام. وعن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يقرء القرآن أيجب على من سمعه الانصات له والاستماع ؟ قال: نعم إذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الانصات والاستماع. وقال الجبائي: إنها نزلت في ابتداء التبليغ ليعلموا ويتفهموا، وقال أحمد بن حنبل: اجتمعت الأمة على أنها نزلت في الصلاة. " لعلكم ترحمون " أي لترحموا بذلك وباعتباركم به واتعاظكم بمواعظه. وقال - ره -: في الآية الثانية (1) فيه أقوال إلى أن قال: وخامسها: علمنا المستقدمين إلى الصف الأول في الصلاة، والمتأخرين عنه، فانه كان يتقدم بعضهم إلى الصف الأول ليدرك أفضليته، وكان يتأخر بعضهم ينظر إلى أعجاز النساء فنزلت الآية فيهم عن ابن عباس. وسادسها أن النبي صلى الله عليه وآله حث الناس على الصف الأول في الصلاة، وقال: " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " وقال النبي صلى الله عليه وآله: " إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم " فازدحم الناس، و كانت دور بني عذرة بعيدة من المسجد، فقالوا لنبيعن دورنا ولنشترين دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المتقدم فنزلت هذه الآية عن الربيع بن أنس. فعلى هذا يكون المعنى أنا نجازي الناس على نياتهم. " وإن ربك هو يحشرهم " أي يجمعهم يوم القيامة ويبعثهم للمجازات والمحاسبة " إنه حكيم " في أفعاله " عليم " بما يستحق كل منهم. 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن عمرو بن إبراهيم، عن خلف بن حماد، عن رجل من أصحابنا نسي الحسن بن علي اسمه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة لا يصلى

 

(1) مجمع البيان ج 6 ص 334.

 

[24]

خلفهم: المجهول، والغالي، وإن كان يقول: بقولك، والمجاهر بالفسق وإن كان مقتصدا (1). بيان وتحقيق مهم الظاهر أن المراد بالمجهول من لا يعلم دينه، وإلا فلم يكن حاجة إلى ذكر المجاهر بالفسق والغالي الذي يغلو في حق النبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم بالقول بالربوبية ونحوها " وان كان يقول بقولك " أي يعتقد إمامة الأئمة وخلافتهم وفضلهم " وإن كان مقتصدا " أي متوسطا في العقايد بأن لا يكون غاليا ولا مفرطا. ثم أعلم أنه لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط إيمان الامام وعدالته، والايمان هنا الاقرار بالأصول الخمسة على وجه يعد إماميا، وأما العدالة (2) فقد اختلف كلام الأصحاب فيها اختلافا كثيرا، في باب الامامة، وباب الشهادة، والظاهر أنه لا فرق عندهم في معنى العدالة في المقامين، وإن كان يظهر من الاخبار أن الأمر في الصلاة أسهل منه في الشهادة. ولعل السر فيه أن الشهادة يبتني عليها الفروج والدماء والأموال والحدود والمواريث، فينبغي الاهتمام فيها، بخلاف الصلاة، فانه ليس الغرض إلا اجتماع المؤمنين وائتلافهم واستجابة دعواتهم، ونقص الامام وفسقه وكفره وحدثه وجنابته لا يضر بصلاة المأموم كما سيأتي، فلذا اكتفي فيه بحسن ظاهر الامام وعدم العلم بفسقه.

 

(1) الخصال ج 1 ص 74، وتراه في التهذيب ج 1 ص 254 و 333 ط حجر وتراه في التهذيب ج 3 ص 31 ط نجف، وتراه في الفقيه ج 1 ص 248. (2) لا يذهب عليك أن الاحاديث الواردة في باب جواز الاقتداء خالية عن لفظ العدالة وان كان لا يشذ مضامينها عن معناها الاصطلاحي، وأما الاجماع، فلما لم يكن الاجماع دليلا لفظيا، بل كان دليلا لبيا، لا يصح الاستناد إليه من حيث مفهوم العدالة الاصطلاحي وعمومه فلا نحتاج إلى تفسير العدالة في هذا الباب، وانما على الفقيه أن يبحث عن أخبار الباب والسيرة القائمة عند الاصحاب.

 

[25]

ثم الأشهر في معناها أن لا يكون مرتكبا للكبائر، ولا مصرا على الصغاير، وللعلماء في تفسير الكبيرة اختلاف شديد، فقال قوم هي كل ذنب توعد الله عليه بالعقاب في الكتاب العزيز، وقال بعضهم: هي كل ذنب رتب عليه الشارع حدا أو صرح فيه بالوعيد، وقال طائفة: هي كل معصية تؤذن بقلة اكتراث فاعلها بالدين، وقال جماعة: هي كل ذنب علمت حرمته بدليل قاطع، وقيل: كلما توعد عليه توعد شديد في الكتاب والسنة، وقيل: ما نهى الله عنه في سورة النساء من أوله إلى قوله تعالى " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه " (1) الآية. وقال قوم الكبائر سبع: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم، والزنا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وقيل: إنها تسع بزيادة السحر والالحاد في بيت الله، أي الظلم فيه، وزاد عليه في بعض الروايات للعامة أكل الربوا، وعن علي عليه السلام زيادة على ذلك شرب الخمر والسرقة. وزاد بعضهم على السبعة السابقة ثلاث عشرة اخرى: اللواط، والسحر، والربوا، والغيبة، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وشرب الخمر، واستحلال الكعبة، والسرقة، ونكث الصفقة، والتعرب بعد الهجرة، واليأس من روح الله، والامن من مكر الله. وقد يزاد أربعة عشرة اخرى: أكل الميتة، ولحم الخنزير، وما اهل لغير الله به من غير ضرورة، والسحت، والقمار، والبخس في الكيل والوزن، ومعونة الظالمين، وحبس الحقوق من غير عسر، والاسراف، والتبذير، والخيانة، والاشتغال بالملاهى، والاصرار على الذنوب. وقد يعد منها أشياء اخر: كالقيادة، والدياثة، والغصب، والنميمة، وقطيعة الرحم، وتأخير الصلاة عن وقتها، والكذب، خصوصا على رسول الله صلى الله عليه وآله، وضرب المسلم بغير حق، وكتمان الشهادة، والسعاية إلى الظالمين، ومنع الزكاة المفروضة، وتأخير الحج عن عام الوجوب، والظهار، والمحاربة، وقطع الطريق.

 

(1) النساء: 31، وقد مر البحث عن الاية مستوفى في ج 79 ص 10 - 11، وشطر منه في ص 2 و 3 من المجلد المذكور، راجعه.

 

[26]

والمعروف بين أصحابنا القول الأول من هذه الأقوال، وهو الصحيح، ويدل عليه أخبار كثيرة وأما أخبارنا ففي رواية يونس (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمدا، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربوا بعد البينة، وكل ما أوجب الله عزوجل عليها النار، وقال: إن أكبر الكبائر الشرك بالله. وفي حسنة (2) عبيد بن زرارة الكفر بالله عزوجل، وقتل النفس، والعقوق وأكل الربوا بعد البينة، وأكل مال اليتيم ظلما، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وقال عليه السلام: ترك الصلاة داخل في الكفر. وفي رواية مسعدة بن صدقة (3) عن الصادق عليه السلام القنوط من رحمة الله، والاياس من روح الله، والامن من مكر الله وقتل النفس التي حرم الله، والعقوق، وأكل مال اليتيم، والربوا، والتعرب بعد الهجرة، وقذف المحصنة والفرار من الزحف. وفي الحسن بل الصحيح (4) عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن أبيه، عن جده موسى عليهم السلام أن الصادق عليه السلام قال لعمرو بن عبيد: أكبر الكبائر الاشراك بالله، ثم الياس من روح الله، ثم الامان من مكر الله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربوا، والسحر، والزنا، واليمين الغموس، والغلول، ومنع الزكاة المفروضة، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، وترك الصلاة متعمدا أو شئ مما فرض الله ونقض العهد، وقطيعة الرحم.

 

(1) الكافي ج 2 ص 277. (2) الكافي ج 2 ص 278. (3) الكافي ج 2 ص 280. (4) الكافي ج 2 ص 285، وتراه في العيون ج 1 ص 285، علل الشرايع ج 2 ص 78، ورواه الصدوق في الفقيه أيضا ج 3 ص 368.

 

[27]

وروى الصدوق (1) بسنده المعتبر عن الفضل بن شاذان فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون الكبائر هي قتل النفس التي حرم الله، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما اهل لغير الله به من غير ضرورة، وأكل الربوا بعد البينة، والسحت والميسر، وهو القمار، والبخس في المكيال والميزان، وقذف المحصنات، واللواط وشهادة الزور، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، و معونة الظالمين، والركون إليهم، واليمين الغموس، وحبس الحقوق من غير عسر، و الكذب، والكبر، والاسراف، والتبذير، والخيانة، والاستخفاف بالحج، والمحاربة لأولياء الله، والاشتغال بالملاهي، والاصرار على الذنوب. وروى مثله (2) باسناده عن الأعمش عن الصادق عليه السلام وزاد في أوله الشرك بالله ثم ترك معاونة المظلومين وقال في آخره والملاهي التى تصد عن ذكر الله تبارك وتعالى مكروهة كالغناء وضرب الأوتار. ثم قال الصدوق - ره -: الكبائر هي سبع، وبعدها فكل ذنب كبير بالاضافة إلى ما هو أصغر منه، وصغير بالاضافة إلى ما هو أكبر منه (3) وهذا معنى ما ذكره الصادق عليه السلام في هذا الحديث من ذكر الكبائر الزائدة على السبع، ولا قوة إلا بالله انتهى. ويدل على أن الصدوق انما يقول بالسبع في الكبائر. وروى أيضا في الصحيح (4) عن أبى عبد الله عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام

 

(1) عيون الاخبار ج 2 ص 127. (2) الخصال ج 2 ص 155. (3) لكنه لا يصح على ذلك قوله تعالى " ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " فان صريح الاية أن الكبائر في مقابلة الصغائر، لا أنه يصدق على كل معصية بالاضافة أنها صغيرة باعتبار وكبيرة باعتبار. (4) تراه في الخصال ج 1 ص 131، علل الشرايع ج 2 ص 160. (*)

 

[28]

أن الكبائر خمس: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وأكل الربوا بعد البينة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة. وفى رواية معتبرة (1) أخرى عن عبيد بن زرارة، عنه عليه السلام أنها أكل مال اليتيم والفرار من الزحف، وأكل الربوا، ورمى المحصنات، وقتل المؤمن متعمدا. وعن عبد الرحمن بن كثير (2) عنه عليه السلام أنها سبع: الشرك، وقتل النفس، و أكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وإنكار حق أهل البيت. وروى العياشي (3) باسناده عن ميسر، عن أبى جعفر عليه السلام قال: كنت أنا و علقمة الحضرمي وأبو حسان العجلى وعبد الله بن عجلان ننتظر أبا جعفر عليه السلام فخرج علينا فقال: مرحبا وأهلا، والله إنى لأحب ريحكم وأرواحكم، وأنتم لعلى دين الله فقال علقمة: فمن كان على دين الله تشهد أنه من أهل الجنة ؟ قال: فمكث هنيئة ثم قال: نوروا أنفسكم، فان لم تكونوا قرفتم الكبائر فأنا أشهد. قلنا: وما الكبائر ؟ قال هي في كتاب الله على سبع، قلنا: فعدها علينا جعلنا فداك، قال: الشرك بالله العظيم، وأكل مال اليتيم، وأكل الربوا بعد البينة، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وقتل المؤمن، وقذف المحصنة، قلنا: مامنا أحد أصاب من هذه شيئا قال: فأنتم إذا. وروى الشيخ جعفر بن أحمد القمي في كتاب الغايات (4) باسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت جعلت فداك: مالنا نشهد على من خالفنا بالكفر وبالنار ولا نشهد على أنفسنا ولا على أصحابنا أنهم في الجنة ؟ فقال: من ضعفكم، إذا لم يكن

 

(1) ثواب الاعمال ص 209، علل الشرايع ج 2 ص 161، الخصال ج 1 ص 131. (2) علل الشرايع ج 2 ص 79 و 160 باسناد آخر، الخصال ج 2 ص 14، ورواه في الفقيه ج 3 ص 366. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 237. (4) ورواه الصدوق في الخصال ج 2 ص 41.

 

[29]

فيكم شئ من الكبائر، فاشهدوا أنكم في الجنة، قلت: أي شئ الكبائر ؟ فقال: أكبر الكبائر الشرك، وعقوق الوالدين، والتعرب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، و الفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم ظلما، والربا بعد البينة، وقتل المؤمن، فقلت: الزنا والسرقة ؟ قال: ليس من ذلك. وقد وقع في الأخبار في خصوص بعض، أنها كبائر كالغناء والحيف في الوصية والكذب على الله ورسوله والأئمة عليهم السلام، ومعونة الظالمين، وغيرها. واختلف أيضا في معنى الاصرار على الصغائر فقيل: هو الاكثار منها سواء كان من نوع واحد أو من أنواع مختلفة، وقيل: المداومة على نوع واحد منها، ونقل بعضهم قولا بأن المراد به عدم التوبة وهو ضعيف. وقسم بعض علمائنا الاصرار إلى فعلي وحكمي فالفعلي هو الدوام على نوع واحد منها بلا توبة أو الاكثار من جنسها بلا توبة، والحكمي هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها. وهذا مما ارتضاه جماعة من المتأخرين، والنص خال عن بيان ذلك، لكن. الأنسب بالمعنى اللغوى المداومة على نوع واحد منها والعزم على المعاودة إليها، قال الجوهري: أصررت على الشئ أي أقمت ودمت، وقال في النهاية: أصر على الشئ يصر إصرارا إذا لزمه وداومه وثبت عليه، وفي القاموس أصر على الأمر لزم، وأما الاكثار من الذنوب وإن لم يكن من نوع واحد بحيث يكون ارتكابه للذنب أكثر من اجتنابه عنه، إذا عن له من غير توبة، فالظاهر أنه قادح في العدالة بلا خلاف في ذلك بينهم. وفي كون العزم على الفعل بعد الفراغ منه قادحا فيه محل إشكال، لكن روى الكليني (1) عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " (2) قال: الاصرار أن يذنب الذنب ولا يستغفر، ولا يحدث نفسه

 

(1) الكافي ج 2 ص 288. (2) آل عمران: 135.

 

[30]

بتوبة، فذلك الاصرار. والحديث المشهور " لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار " يومي إلى أن الاصرار يحصل بعدم الاستغفار، بقرينة المقابلة، وفي العرف يقال: فلان مصر على هذا الامر إذا كان عازما على العود إليه، فالقول بكون العزم داخلا في الاصرار لا يخلو من قوة. والمشهور لا سيما بين المتأخرين اعتبار المروة في الامامة والشهادة، ولا شاهد له من جهة النصوص، وفي ضبط معناها عبارات لهم متقاربة المعنى، وحاصلها مجانبة ما يؤذن بخسة النفس، ودناءة الهمة من المباحات والمكروهات، وصغائر المحرمات التي لا تبلغ حد الاصرار كالأكل في الأسواق والمجامع، في أكثر البلاد، والبول في الشوارع المسلوكة، وكشف الرأس في المجامع، وتقبيل أمته وزوجته في المحاضر ولبس الفقيه لباس الجندي، والاكثار من المضحكات، والمضايقة في اليسير التي لا تناسب حاله، ويختلف ذلك بحسب اختلاف الأشخاص والأعصار والأمصار والعادات المختلفة. والحق أن ما لم يخالف ذلك الشرع ولم يرد فيه نهى لا يقدح في العدالة، ولا دليل عليه، وليس في الأخبار منه أثر، بل ورد خلافه في أخبار كثيرة، ومن كان أشرف من رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يركب الحمار العاري ويردف خلفه، ويأكل ماشيا إلى الصلاة، كما روي، وكأنهم اقتفوا في ذلك أثر العامة فانها مذكورة في كتبهم، ولذا لم يذكر المحقق - ره - ذلك في معناها، وأعرض منه كثير من القدماء والمتأخرين. ولا يعتبر في العدالة الاتيان بالمندوبات إلا أن يبلغ تركها حدا يؤذن بقلة المبالات بالدين، كترك المندوبات أجمع، قال الشهيد الثاني: ولو اعتاد ترك صنف منها كالجماعة والنوافل ونحو ذلك، فكترك الجميع لاشتراكها في العلة المقتضية لذلك نعم لو تركها أحيانا لم يضر. وإذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها فتعود بالتوبة بغير خلاف ظاهرا، وكذلك من حد في معصية ثم تاب رجعت عدالته وقبلت شهادته، ونقل بعض الأصحاب إجماع


 

[31]

الفرقة على ذلك، ولعل الأشهر أنه لا يكفي في ذلك مجرد إظهار التوبة، بل لابد من الاختبار مدة يغلب معه الظن بأنه صادق في توبته. ومن الأصحاب من اعتبر إصلاح العمل، وأنه يكفى في ذلك عمل صالح ولو تسبيح أو ذكر، ومنهم من اكتفى في ذلك بتكرر إظهار التوبة والندم. وذهب الشيخ في موضع من المبسوط إلى الاكتفاء في قبول الشهادة باظهار التوبة عقيب قول الحاكم له تب أقبل شهادتك، لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة، ولا يخلو من قوة لما رواه الشيخ في الصحيح (1) عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحدود إن تاب أتقبل شهادته ؟ فقال: إذا تاب وتوبته أن يرجع فيما قال ويكذب نفسه عند الامام وعند المسلمين، فإذا فعل، فان على الامام أن يقبل شهادته بعد ذلك. وبسند معتبر عن أبي الصباح (2) الكناني قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القاذف بعدما يقام عليه الحد ما توبته ؟ قال: يكذب نفسه قلت: أرأيت إن أكذب نفسه وتاب أتقبل شهادته ؟ قال: نعم، ونحوه روي عن يونس، عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام. وباسناده عن السكوني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام شهد عنده رجل، وقد قطعت يده ورجله نهاره، فأجاز شهادته وقد تاب وعرفت توبته. وعن القاسم (4) بن سليمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدا ثم يتوب، ولا يعلم منه إلا خير أتجوز شهادته ؟ فقال: نعم، ما يقال عندكم ؟ قلت: يقولون توبته فيما بينه وبين الله، لا تقبل شهادته أبدا، قال: بئس ما قالوا، كان أبي عليه السلام يقول: إذا تاب ولم يعلم منه إلا خير جازت شهادته. وفي الموثق (5) عن سماعة بن مهران قال: قال: إن شهود الزور يجلدون جلدا ليس له وقت وذلك إلى الامام، ويطاف بهم حتى يعرفهم الناس، وأما (6) قول الله

 

(1 - 3) التهذيب ج 6 ص 245 ط نجف، الكافي ج 7 ص 397. (4) = ج 6 ص 246 ط نجف. (5) = ج 10 ص 144 ط نجف، الكافي ج 7 ص 241. (6) وهذا ظ.

 

[32]

عزوجل " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا " (1) قلت: كيف تعرف توبته ؟ قال: يكذب نفسه حين يضرب ويستغفر ربه، فإذا فعل ذلك فقد ظهر توبته ومثله كثير. ثم اعلم أن المتأخرين من علمائنا اعتبروا في العدالة الملكة، وهي صفة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى والمروة، ولم أجدها في النصوص، ولا في كلام من تقدم على العلامة من علمائنا، ولا وجه لاعتبارها. بقي الكلام في أن المعتبر في العدالة المشروطة في إمام الجماعة والشاهد، هل هو الظن الغالب بحصول العدالة المستند إلى البحث والتفتيش، أم يكفى في ذلك ظهور الايمان، وعدم ظهور ما يقدح في العدالة. المشهور بين المتأخرين الأول، وجوز بعض الأصحاب التعويل فيها على حسن الظاهر، وقال ابن الجنيد: كل المسلمين على العدالة إلى أن يظهر خلافها، و ذهب الشيخ في الخلاف وابن الجنيد والمفيد في كتاب الأشراف إلى أنه يكفي في قبول الشهادة ظاهر الاسلام، مع عدم ظهور ما يقدح في العدالة، ومال إليه في المبسوط وهو ظاهر الاستبصار، بل ادعى في الخلاف الاجماع والأخبار. وقال: البحث عن عدالة الشهود ما كان في أيام النبي صلى الله عليه وآله ولا أيام الصحابة ولا أيام التابعين، وإنما شئ أحدثه شريك بن عبد الله القاضي، ولو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه، والظاهر عدم القائل بالفصل في باب الامامة والشهادة فما يدل على الحال في أحدهما يدل على الحال في الآخر، والقول الأخير أقوى لأخبار كثيرة دلت عليه. فقد روي عن الرضا عليه السلام (2) بسند صحيح: كل من ولد على الفطرة، وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته. وروى الشيخ (3) عن أبي عبد الله عليه السلام بسند معتبر أنه قال: خمسة أشياء يجب

 

(1) النور: 4. (2 - 3) الفقيه ج 3 ص 28، التهذيب ج 6 ص 283 ط نجف.

 

[33]

على الناس الأخذ بظاهر الحكم: الولايات والتناكح والمواريث والذبايح والشهادات فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته، ولا يسأل عن باطنه. ورواه الصدوق بسند آخر في الخصال (1). وروى الشيخ والصدوق أنه سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال، وكان يؤمهم رجل، فلما صاروا إلى الكوفة علموا أنه يهودي، قال: لا يعيدون (2). وروى الشيخ (3) عن عبد الرحيم القصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إذا كان الرجل لا تعرفه يؤم الناس يقرء القرآن فلا تقرء خلفه، واعتد بصلاته. وقد ورد في أخبار كثيرة إذا عرض للامام عارض أخذ بيد رجل من القوم فيقدمه ومن تأمل في عادة الاعصار السابقة في مواظبتهم على الجماعات، وترغيب الشارع في ذلك، وإشهادهم على البيوع والاجارات، وساير المعاملات، وسنن الحكام في قبول الشهادات، والأمراء الذين عينهم النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن عليهما السلام لذلك ولما هو أعظم منه، لا ينبغي أن يرتاب في فسحة الأمر في العدالة في المقامين. ولو كان التضييق الذي بنوا عليه الأمر في تلك الأعصار، وجعلوا العدالة تلو العصمة حقا لما كان يكاد يوجد في البلاد العظيمة رجلان يتصف بها، ولو وجد فرضا كيف يتحملان جميع عقود المسلمين وطلاقهم ونكاحهم وإمامتهم فيلزم تعطل السنن والأحكام، وصار ذلك سببا لتشكيك الشيطان أكثر الخلق في هذه الأزمنة، وصيرهم بذلك محرومين عن فضائل الجمعة والجماعة، وفقنا الله وساير المؤمنين لما يحب و يرضى، وأعاذنا وإياهم من متابعة أهل الهوى. قال الشهيد الثاني - ره -: وهذا القول وإن كان أبين دليلا وأكثر رواية، وحال السلف تشهد به، وبدونه لا يكاد ينتظم الأحكام للحكام، خصوصا في المدن الكبار،

 

(1) الخصال ج 1 ص 150. (2) راجع التهذيب ج 1 ص 257 ط حجر، ج 3 ص 40 ط نجف، الفقيه ج 1 ص 263، ورواه الكليني في الكافي ج 3 ص 378. (3) التهذيب ج 3 ص 331.

 

[34]

والقاضي من المتقدمين يستند إليها لكن المشهور الآن بل المذهب خلافه. وقال سبطه السيد قدس سره في المدارك: قد نقل جمع من الأصحاب الاجماع على أن العدالة شرط في الامام وان اكتفى بعضهم في تحقيقها بحسن الظاهر أو عدم معلومية الفسق، ثم ذكر بعض الروايات التي استدل بها القوم، ثم قال: وهذه الأخبار لا تخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة، والمستفاد من إطلاق كثير من الروايات وخصوص بعضها الاكتفاء في ذلك بحسن الظاهر، والمعرفة بفقه الصلاة، بل المنقول من فعل السلف الاكتفاء بما دون ذلك إلا أن المصير إلى ما ذكره الأصحاب أحوط انتهى. والذي يظهر لي من الأخبار أن المعتبر في الشهادة عدم معلومية الفسق، وحسن الظاهر، وفي الصلاة مع ذلك المواظبة على الجمعة والجماعة، وعدم الاخلال بذلك بغير عذر، ولو ظهر فسق نادرا، وعلم من ظواهر أحواله التأثر والتألم والندامة، فهذا يكفي في عدم الحكم بفسقه، ولو علم منه عدم المبالاة أو التجاهر والتظاهر فهذا قادح لعدالته. ولنذكر زائدا على ما تقدم بعض ما يدل على ذلك: فمنها ما رواه الصدوق (1) عن أبيه، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان ابن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن علقمة بن محمد قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام وقد قلت له: يا ابن رسول الله أخبرني عمن تقبل شهادته ومن لا تقبل، فقال: يا علقمة كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته. قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف بالذنوب ؟ فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب، لما قبلت إلا شهادات الأنبياء والاوصياء عليهم السلام لأنهم هم المعصومون دون ساير الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنبا

 

(1) أمالى الصدوق: 63. (*)

 

[35]

ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله عزوجل، داخل في ولاية الشيطان - ولقد حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا، ومن اغتاب مؤمنا بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس المصير إلى آخر ما مر في كتاب الايمان والكفر (1). وروي في الخصال والعيون (2) بأسانيد، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروته، وظهرت عدالته، ووجبت اخوته، و حرمت غيبته. وروى نحوه (3) بسند معتبر عن أبي عبد الله عليه السلام. وروى في المجالس (4) بسنده عن إبراهيم بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة، فظنوا به خيرا وأجيزوا شهادته. وفيه أيضا (5) عن هارون بن الجهم، عن الصادق عليه السلام قال: إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة. وروى الحميري (6) في قرب الاسناد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: ثلاثة ليس لهم حرمة، وعد منهم الفاسق المعلن الفسق.

 

(1) راجع ج 70 ص 2 - 4. (2) الخصال ج 1 ص 97، عيون الاخبار ج 2 ص 30، وتراه في صحيفة الرضا عليه الصلاة والسلام: 7. (3) الخصال ج 1 ص 98. (4) أمالى الصدوق ص 204. (5) أمالى الصدوق ص 24. (6) قرب الاسناد: 82 ط حجر ص 107 ط نجف.

 

[36]

وفي كتاب الاختصاص (1) عن الرضا عليه السلام قال: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. وروى الشيخ (2) في الحسن عن البزنطي، عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال له: جعلت فداك كيف طلاق السنة ؟ قال: يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين، كما قال الله تعالى في كتابه ثم قال في آخر الرواية: من ولد على الفطرة اجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير. وروى الصدوق في الصحيح (3) عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته. وروى (4) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى الصلوات الخمس جماعة فظنوا به كل خير. وروى الكليني (5) باسناده، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من أذنب ذنبا فعلم أن الله مطلع عليه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له غفر له وإن لم يستغفر. وعن أبان بن تغلب (6) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من عبد أذنب ذنبا فندم عليه إلا غفر الله له قبل أن يستغفر. وعن أبى عبد الله عليه السلام (7) قال: إن الله يحب المفتن التواب.

 

(1) الاختصاص: 242، في ط الكمبانى الخصال وهو سهو. (2) التهذيب ج 2 ص 263 ط حجر. (3) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 28 ومرة اخرى ص 29، ورواه الشيخ في التهذيب ج 6 ص 383 بسند وص 384 بسند آخر ط نجف. (4) الفقيه ج 1 ص 246. (5 و 6) الكافي ج 2 ص 427. (7) الكافي ج 2 ص 432.

 

[37]

وعن عمرو بن جميع (1) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من جاءنا يلتمس الفقه والقرآن وتفسيره فدعوه، ومن جاءنا يبدي عورة قد سترها الله تعالى فنحوه، فقال رجل من القوم: جعلت فداك والله إني لمقيم على ذنب منذ دهر اريد أن أتحول عنه إلى غيره، فما أقدر عليه، فقال له: إن كنت صادقا فان الله يحبك، وما يمنعه أن ينقلك عنه إلى غيره إلا لكي تخافه. وروى الشهيد الثاني (2) عن الباقر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا صلاة لمن لم يصل في المسجد مع المسلمين إلا من علة ولا غيبة إلا لمن صلى في بيته و رغب عن جماعتنا، ومن رغب جماعة المسلمين سقطت عدالته ووجب هجرانه و إن رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذره، ومن لزم جماعة المسلمين حرمت غيبته وثبتت عدالته. وروى الشيخ بسند معتبر (3) عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: بما يعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى يقبل شهادته لهم وعليهم ؟ قال: فقال: أن يعرفوه بالستر والعفاف، والكف عن البطن والفرج واليد واللسان ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار، من شرب الخمر، والزنا، و الربوا، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف وغير ذلك. والدال على ذلك كله (4) والساتر لجميع عيوبه - حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وغيبته، ويجب عليهم توليته، وإظهار عدالته في الناس -

 

(1) الكافي ج 2 ص 442. (2) راجع الروضة البهية كتاب الصلاة الفصل الحادى عشر. (3) التهذيب ج 6 ص 241 ط نجف باب البينات. (4) رواه الصدوق في الفقيه ج 3 ص 24 وفيه: والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه الخ.

 

[38]

التعاهد (1) للصلوات الخمس إذا واظب عليهن، وحافظ مواقيتهن باحضار جماعة المسلمين وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا عن علة. وذلك أن الصلاة ستر وكفارة للذنوب، ولو لم يكن ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على أحد بالصلاح، لأن من لم يصل فلا صلاح له بين المسلمين، لأن الحكم جرى فيه من الله ومن رسول الله صلى الله عليه وآله بالحرق في جوف بيته. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من علة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا غيبة إلا لمن يصلي في بيته ورغب عن جماعتنا. ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، وسقطت بينهم عدالته، ووجب هجرانه، وإذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذره فان حضر جماعة المسلمين وإلا احرق عليه بيته، ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته، وثبتت عدالته بينهم. ومن تأمل في هذه الأخبار حق التأمل اتضح له ما ذكرناه غاية الاتضاح، لا سيما الخبر الأخير، وهو مروي في الفقيه بسند صحيح بأدنى تفاوت (2) فانه

 

(1) التعاهد خبر قوله: " الدال على ذلك " وما بين العلامتين جملة معترضة، ولكن في لفظ الفقيه هكذا، " ويكون منه التعاهد للصلوات " الخ. (2) لفظ الفقيه هكذا: " ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم الا من علة، فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه الا خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لاوقاتها في مصلاة، فان ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين. وذلك أن الصلاة ستر وكفارة للذنوب، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلى إذا كان لا يحضر مصلاه، ويتعاهد جماعة المسلمين، وانما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكى يعرف من يصلى ممن لا يصلى، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع. -

 

[39]

يستفاد منها أن الذي يقدح في العدالة فعل الكبيرة التي أوعد الله عليها النار، وأنه يكفي في الحكم بها أن يظهر من حال المكلف كونه ساترا لعيوبه، ملازما لجماعة المسلمين، بل الظاهر من آخر الخبر الاكتفاء بلزوم جماعتهم. وسيأتي تمام القول فيه في أبواب الشهادات (1) إنشاء الله تعالى، وقد مضى تحقيق الكبائر والعدالة وغير ذلك في أبواب المناهي (2) وأبواب الايمان والكفر (3). ثم اعلم أن أكثر الأخبار الواردة في اشتراط العدالة إنما هي في الشهادة، ولم يرد هذا اللفظ في باب الجماعة، والأخبار الواردة فيها منها هذا الخبر (4) وهو مع ضعفه إنما يدل على عدم التجاهر بالفسق. ومنها (5) ما رواه الشيخ، عن أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن مواليك قد اختلفوا فاصلي خلفهم جميعا ؟ فقال: لا تصل إلا خلف من تثق بدينه وأمانته. وهو مع عدم صحته إنما يدل على المنع من الصلاة خلف من يكون فاسد

 

ولولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لان من لا يصلى لا صلاح له بين المسلمين، فان رسول الله (صلى الله عليه واله) هم بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، وقد كان منهم من يصلى في بيته فلم يقبل منه ذلك، وكيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله عزوجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله فيه الحرق في جوف بيته بالنار، وقد كان يقول رسول الله صلى الله عليه وآله لا صلاة لمن لا يصلى في المسجد مع المسلمين الا من علة. (1) راجع ج 104 ص 314 - 320. (2) راجع ج 79 ص 2 - 16. (3) راجع ج 70 ص 1 - 4، ولكن هذه الابواب الثلاثة غير مبيضة بيد المؤلف العلامة، ولا يوجد فيها بحث كامل. (4) يعنى خبر الخصال الذى تقدم ص 23. (5) التهذيب ج 1 ص 329 ط حجر.

 

[40]

العقيدة، أو يكون خائنا في أموال المسلمين أو أعراضهم. ومنها ما رواه أيضا (1) عن سعيد بن إسماعيل، عن أبيه قال: سألته عن الرجل يقارف الذنوب يصلى خلفه أم لا ؟ قال: لا. وهو أيضا مع عدم الصحة، يدل على المنع من الصلاة خلف من يكون مصرا على اقتراف جميع الذنوب، مكثرا منها، فان المضارع يدل على الاستمرار التجددي، والذنوب جمع معرف باللام، يفيد العموم، ولو قيل بأن اقتراف جميع الذنوب بعيد، فلا أقل من الدلالة على ارتكاب كثير من الذنوب، مع العلم بها، لا مع الاحتمال والتوهم. ومنها صحيحة عمر بن يزيد (2) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إمام لا بأس به في جميع اموره، عارف غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما، أقرأ خلفه ؟ قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا. وهذا يدل على جواز الصلاة خلف المصر على الصغيرة، وعدمه خلف العاق قال في الذكرى: ويحمل ذلك على أنه غير مصر إذ الاصرار على الصغاير يلحقها بالكبائر، إن جعلنا هذا صغيرة، وتحريم أن يقول لهما اف يؤذن بعظم حقهما، وبأن المتخطي نهي الله فيهما على خطر عظيم انتهى. وبالجملة هذا الخبر وإن كان صحيحا فهو مشتمل على ما لم يقولوا به، والحمل على عدم الاصرار في غاية البعد. ومنها ما روي (3) من المنع من الصلاة خلف شارب الخمر والنبيذ. ومنها ما ورد من المنع من الصلاة خلف الفاجر (4) والظاهر منها خلفاء

 

(1) التهذيب ج 1 ص 254 و 332 ط حجر، الفقيه ج 1 ص 249. (2) التهذيب ج 1 ص 254، الفقيه ج 1 ص 248. (3) راجع السرائر: 484. (4) الخصال ج 2 ص 151 في خبر الاعمش وقد مر.

 

[41]

الجور وأتباعهم، وكذا أخبار أبي ذر الظاهر (1) من بعضها الامامة الكبرى، ومن بعضها الصلاة خلف المنافقين والمخالفين، كما كان دأبه من التعريض بعثمان وأتباعه ولذا أخرجه وطرده رضي الله عنه. فمع قطع النظر عن الاجماع المنقول يشكل إثبات اشتراط العدالة بمحض هذه الأخبار، لا سيما على طريقة القوم، حيث لا يعملون بالأخبار الضعيفة، ويمكن حملها على الكراهة، واستحباب رعاية هذا القدر الذي يستفاد من الأخبار إذ لم يثبت كون النهي حقيقة في التحريم، لا سيما في الأخبار، ومع تسليم جميع ذلك فلا يتخطى مدلولها كما عرفت. وأما الاجماع فمع ثبوته فانما هو حجة فيما ثبت فيه، فلا يمكن التمسك به فيما اختلف فيه من عدد الكبائر، واعتبار الملكة والمروة وأمثالها كما عرفت (2). وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام لئلا يصغي المؤمن المتدين إلى شبهات شياطين الجن والانس، ووساوسهم، فيترك فضيلة الجماعة وفريضة الجمعة، الثابتتين بالأخبار المتواترة بمحض الاحتياط في العدالة التى سبيلها ما عرفت، ومع ذلك ينبغى أن لا يترك الناقد الخبير المتدين البصير الاحتياط في أمر دينه وصلاته، ويطلب من يثق بدينه وقراءته وزهده وعبادته، فان لم يجد فليحتط إما بتقديم الصلاة قبلها أو الاعادة بعدها وذلك بعد أن يفرغ نفسه ويخلى قلبه عن دواعي الحقد والحسد، وساير الأمراض النفسانية والأغراض الفاسدة، فإذا فعل ذلك فسيرشده الله إلى ما يحب ويرضى، كما قال تعالى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " (3). 2 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون

 

(1) الفقيه ج 1 ص 247، علل الشرايع ج 2 ص 15، التهذيب ج 1 ص 254. (2) وذلك لما مر أن الاجماع دليل لبى لا اطلاق له ولا عموم ولا يثبت به الا القدر المتيقن من مفهوم العدالة، وهو اجتناب الكبائر التى اوعد الله عليها النار. (3) العنكبوت: 69.

 

[42]

القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام قال: كن يؤمرن النساء في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يرفعن رؤسهن إلا بعد الرجال، لقصر ازرهن (1). قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يسمع صوت الصبي يبكي وهو في الصلاة فيخفف الصلاة فتصير إليه امه (2). 3 - قرب الاسناد: عن محمد بن عيسى والحسن بن طريف وعلي بن إسماعيل جميعا، عن حماد بن عيسى، عن الصادق عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: كن النساء مع النبي صلى الله عليه وآله وكن يؤمرن أن لا يرفعن رؤسهن قبل الرجال لضيق الأزر (3). بيان: رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (4) مثل الأخير، فقيل: المراد أزر الرجال فانها لما كانت مضيقة كان يقع نظرهن أحيانا إلى فروج الرجال إذا رفعن رؤوسهن قبلهم، ويرد عليه أنه على هذا كان ينبغي نهي الرجال عن لبس مثل تلك الأزر، لبطلان صلاتهم بكشف العورة ولو في بعض أحوال الصلاة، إلا أن يقال: إنهم كانوا مضطرين، ولم يكن لهم غيرها، أو كان يرى حجم عورتهم بناء على أنه لا يجب ستره كما هو المشهور، وقيل: المراد ازر النساء فان الرجال كانوا ينظرون من بين الرجلين أو بطرف العينين إلى النساء في وقت رفع الرأس عن السجود، وكان لضيق ازرهن

 

(1) في هامش المصدر المطبوع: " لقصر أزرهم " نقلا عن بعض النسخ، وهو الظاهر عندي، وذلك لان الازار انما يكون في حال الركوع ساترا للفخذين إذا كان طويلا بحيث يستر الساقين إلى نصفهما كما كان يلبسه رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك وأما سائر الناس فيظهر من هذا الخبر أن أزرهم كانت قصيرة لا تستر الفخذين الا حال القيام، واما حال الركوع فترتفع ويظهر أسافل الفخذين (وهو مكروه عند بعض وغير مجوز عند آخرين) ولذلك أمر النساء أن لا يرفعن رؤسهن قبلهم. (2) علل الشرايع ج 2 ص 33. (3) قرب الاسناد: 14 ط نجف. (4) الفقيه ج 1 ص 259. (*)

 

[43]

يرون بعض محاسنهن أو زينتهن كما قيل في نزول قوله سبحانه: " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين " وقد مر (1). وقد يصحف ويقر الأزز بالزائين المعجمتين، قال في النهاية: في حديث سمرة كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فانتهيت إلى المسجد فإذا هو بأزز: أي ممتلئ بالناس، يقال: أتيت الوالي والمجلس أزز أي كثير الزحام، ليس فيه متسع والناس أزز إذا انضم بعضهم إلى بعض انتهى، وهذا مع أنه مخالف للنسخ، لا يستقيم التعليل إلا بتكلف، والخبر الأول يؤيد الثاني، وما سيأتي من المكارم يؤيد الأول. 4 - قرب الاسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يقول: المرءة خلف الرجل صف ولا يكون الرجل خلف الرجل صفا، إنما يكون الرجل إلى جنب الرجل عن يمينه (2). ومنه: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي عليه السلام قال: قال: رجلان صف، فإذا كانوا ثلاثة تقدم الامام (3). وبهذا الاسناد عن علي عليه السلام قال: الصبي عن يمين الرجل في الصلاة إذا ضبط الصف جماعة، والمريض القاعد عن يمين المصلى هما جماعة، ولا بأس بأن يؤم المملوك إذا كان قاريا وكره أن يؤم الاعرابي لجفائه عن الوضوء والصلاة (4). بيان: يستفاد من هذه الأخبار أحكام: الأول: تحقق الجماعة بمأموم واحد، ولا خلاف فيه بين الأصحاب. الثاني: تحققه بالمريض وهو أيضا كذلك. الثالث: تحققه بالمرءة وهو ايضا كذلك.

 

(1) الحجر: 24. (2) قرب الاسناد ص 72 ط نجف. (3) قرب الاسناد ص 92 ط نجف. (4) قرب الاسناد ص 95 ط نجف.

 

[44]

الرابع: تحققه بالصبي إذا كان مميزا، فانه الظاهر من ضبط الصف أي يستقر مكانه ولا يلعب ويأتي بالصلاة، وما يجب في الاقتداء، ومثل هذا لا يكون إلا مميزا، وظاهر الأكثر أنه كذلك وذكره في المنتهى بغير تعرض لخلاف إلا لبعض العامة، وقال في الذكرى: تنعقد الجماعة بالصبي المميز لأن ابن عباس ائتم بالنبي صلى الله عليه وآله وكان إذ ذاك غير بالغ، وأما إمامته فسيأتي القول فيه. الخامس: أن المأموم إذا كان رجلا واحدا يقف عن يمين الامام، والمشهور أنه على الاستحباب حتى قال في المنتهى: هذا الموقف سنة، فلو خالف بأن وقف الواحد على يسار الامام أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع، وحكى في المختلف عن ابن الجنيد القول بالبطلان مع المخالفة (1)، والأحوط عدم المخالفة. السادس: لو كان المأموم امرءة وجب التأخير إن قلنا بتحريم المحاذات وإلا استحب، وكذا تأخرها عن الرجال المأمومين، والصبيان كما ذكره الأصحاب، والاحتياط في التأخر في هذا المقام ألزم من غيره، لورود الروايات الكثيرة مع عدم المعارض، ويستحب للمرءة الواحدة مع التأخر أن تقف عن يمين الامام [لصحيحة هشام بن سالم، وإن كان مع الرجل الواحد امرءة أو أكثر، وقف الرجل عن يمين الامام] (2) والنساء خلفه لرواية القاسم بن الوليد (3) والحكمان مذكوران في المنتهى وغيره. السابع: أن المأموم إذا كان رجلين أو أكثر يقفون خلفه والكلام في الاستحباب والوجوب كما مر. الثامن: ظاهر الأخبار أن من يقف عن يمين الامام يقف محاذيا له من غير تأخر كما هو ظاهر الأكثر، وأوجب ابن إدريس في ظاهر كلامه التقدم بقليل، وتدفعه

 

(1) يريد إذا كان المأموم عالما بالسنة النبوية صلى الله عليه وآله وأمكنه القيام عن يمين الامام ومعذلك خالفها رغبة عنها. (2) بل رواية فضيل بن يسار في التهذيب ج 1 ص 329. (3) التهذيب ج 1 ص 329، ط حجر.

 

[45]

ظواهر الأخبار ولو وجب التأخر لذكر، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأنه لو كان شرطا لما أمكن اختلاف اثنين في الامامة، إلا بأن يتوهم كل منها التقدم وهو بعيد وقد ورد به الخبر. ثم إن التقدم والتساوي بأي شئ يعتبران ؟ فمنهم من أحالوهما على العرف وذكر جماعة من الأصحاب أن المعتبر التساوي بالأعقاب، فلو تساوى العقبان لم يضر تقدم أصابع رجل المأموم أو رأسه وصدره، ولو تقدم عقبه على عقب الامام لم ينفعه تأخر أصابعه ورأسه. واستقرب العلامة في النهاية اعتبار التقدم بالأصابع والعقب معا، وصرح بأنه لا يقدح في التساوي تقدم رأس المأموم في حالتي الركوع والسجود ومقاديم الركبتين والأعجاز في حال التشهد، وليست هذه التفاصيل في شئ من النصوص، والعرف مضطرب، والأحوط رعاية الجميع كما اختاره الشهيد الثاني ره. ثم الظاهر على القول بالمحاذاة الحقيقية تحقق كونه خلفه بقليل من التأخر والأحوط التأخر بعرض بدنه أو بما يقال عرفا أنه خلفه، أما التأخر بجميع بدنه في أحوال الركوع والسجود والتشهد، فالظاهر أنه غير لازم ولعله أولى. التاسع: جواز إمامة المملوك إذا صحت قراءته كما هو المشهور ومنع منه بعضهم، قال في الذكرى: اختلف في إمامة العبد فقال في المبسوط والنهاية: لا يجوز أن يؤم الاحرار، ويجوز أن يؤم مواليه إذا كان أقرءهم، وقال ابن بابويه في المقنع: ولا يؤم العبد إلا أهله لرواية السكوني (1) وأطلق ابن حمزة أن العبد لا يؤم الحر، وجوز إمامته مطلقا ابن الجنيد وابن إدريس، وأطلق الشيخ في الخلاف جواز إمامته. قال وفي بعض رواياتنا (2) أن العبد لا يؤم إلا مولاه، وقال أبو الصلاح يكره والبحث عن الجواز، وإن كان الحر مقدما عليه عند التعارض انتهى، والجواز

 

(1 - 2) التهذيب ج 1 ص 254.

 

[46]

أقوى. العاشر: تدل على كراهة إمامة الأعرابي لجفائه، أي بعده عن معرفة أحكام الوضوء والصلاة والتعليل يقتضي أن كل من كان كذلك تكره إمامته، والأعرابي نسبة إلى الأعراب وهم سكان البادية، سواء كانوا من العرب أو العجم، والمهاجر من هجر إلى النبي صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام، وقيل: المهاجر في زماننا سكان الأمصار المتمكنين من تحصيل معرفة الأحكام. ثم ظاهر الرواية كراهة إمامة الأعرابي مطلقا وقيد أكثر الأصحاب الحكم بامامته بالمهاجرين، لحسنة إبراهيم بن هاشم (1). ثم اختلفوا فيه فذهب الشيخ وجماعة من الأصحاب إلى التحريم، وذهب آخرون إلى الكراهة، وفصل المحقق في المعتبر، فقال: والذي نختاره أنه إن كان ممن لا يعرف محاسن الاسلام ولا وصفها، فالأمر كما ذكروه، وإن كان وصل إليه ما يكفيه اعتماده ويدين به، ولم يكن ممن يلزمه المهاجرة وجوبا، جاز أن يؤم إلى آخر ما قال قدس سره. وما اختاره لا يخلو من قوة، وإن كان الأحوط عدم الاقتداء به مطلقا لورود الاخبار الصحيحة بالمنع مطلقا لكن تحقق الهجرة في زماننا غير معلوم إذ لا خلاف في وجوب الهجرة قبل الفتح، وأما بعده فقيل نسخت لقوله صلى الله عليه وآله " لا هجرة بعد الفتح " وقبل: كانت باقية بعده، وفي أعصار الائمة عليهم السلام وأما في زمن الغيبة فيشكل الحكم بوجوبها، وتحقق مفهومها، ودخولها تحت الالفاظ الواردة في الأخبار. نعم تعلم الأحكام الضرورية واجب بحسب الامكان على أهل البوادي والأمصار فلو أخلوا بذلك كانوا فساقا من هذه الجهة، بل كانت صلاتهم باطلة مع جهلهم بأحكا مها فمن تلك الجهة لا يجوز الاقتداء بهم وفي الخبر إيماء إليه. الحادى عشر: يدل على جواز اقتداء القاعد بالقائم، ولا خلاف فيه.

 

(1) التهذيب ج 1 ص 254.

 

[47]

ثم اعلم أن في التهذيب (1) هكذا " والمريض القاعد عن يمين الصبي " فيحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد قعوده خلف الامام البالغ عن يمين الصبي فالغرض بيان جواز ايتمام القاعد بالقائم، وثانيهما أن يكون المراد كون الصبى إماما والمريض مؤتما فيكون الغرض بيان أدون افراد الجماعة وأخفاها من جهة الامام والمأموم معا، فيدل على جواز إمامة الصبي كما قيل. 5 - قرب الاسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: كان الحسن والحسين عليهما السلام يقرآن خلف الامام (2). تبيين: " خلف الامام " أي أئمة الجور الذين كانوا في زمانهما عليهما السلام، كانا يصليان خلفهم تقية، ولا ينويان الاقتداء بهم، وكانا يقرآن ويصليان لأنفسهما. ويستحب حضور جماعتهم استحبابا مؤكدا كما ذكره الأكثر، ودلت عليه الأخبار، ويجب عند التقية، لكن يستحب أن يصلي في بيته ثم يأتي ويصلي معهم إن أمكن (3) وإلا فيجب أن يقرأ لنفسه، ولا تسقط القراءة عنه بالايتمام بهم على المشهور، بل قال في المنتهى: لا نعرف فيه خلافا، ولا يجب الجهر بالقراءة في الجهرية، وتجزيه الفاتحة وحدها مع تعذر قراءة السورة، وإن قلنا بوجوبها، ولا خلاف فيها ظاهرا. ولو ركع الامام قبل إكمال الفاتحة فقيل إنه يقرء في ركوعه وقيل تسقط القراءة للضرورة كما قطع به في التهذيب، حتى قال: إن الانسان إذا لم يلحق القراءة معهم جاز له ترك القراءة، والاعتداد بتلك الصلاة، بعد أن يكون قد أدرك الركوع والأحوط الاعادة حينئذ وكذا لو قرء في النفس تقية. 6 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة ومحمد بن

 

(1) التهذيب ج 1 ص 262. (2) قرب الاسناد ص 73 ط نجف. (3) راجع في ذلك ج 82 ص 338 - 339.

 

[48]

مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من قرأ خلف إمام يأتم به فمات، بعث [ه الله] على غير الفطرة (1). المحاسن: عن أبي محمد، عن حماد مثله (2). السرائر: نقلا من كتاب حريز عنهما مثله (3). بيان: " على غير الفطرة " أي فطرة الاسلام مبالغة، ولعله محمول على الجهرية إذا سمع القراءة، ويحتمل شموله للاخفاتية. واختلف الأصحاب في هذه المسألة اختلافا شديدا قال الشهيد الثاني روح الله روحه: تحرير محل الخلاف في القراءة خلف الامام وعدمها أن الصلاة إما جهرية أو سرية، وعلى الأول إما أن يسمع سماعا أولا، وعلى التقديرات فاما أن يكون في الأولتين أو الأخيرتين، فالأقسام ستة، فابن إدريس وسلار أسقطا القراءة في الجميع لكن ابن إدريس جعلها محرمة وسلار جعل تركها مستحبا وباقي الأصحاب على إباحة القراءة في الجملة لكن يتوقف تحقيق الكلام على تفصيل فنقول: إن كانت الصلاة جهرية، فان سمع في اولييهما ولو همهمة سقطت القراءة فيها إجماعا، لكنه هل السقوط على وجه الوجوب بحيث تحرم القراءة ؟ فيه قولان أحدهما التحريم ذهب إليه جماعة منهم العلامة في المختلف والشيخان (4) والثاني الكراهة

 

(1) ثواب الاعمال: 207. (2) المحاسن: 79. (3) السرائر: 472. (4) قد عرفت ذيل قوله تعالى الاعراف: 204 " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " أن الانصات والاستماع في هذه الاية مؤولة إلى الصلوات الجهرية بالجماعة بتأويل النبي صلى الله عليه وآله فصار الانصات لقراءة الامام سنة في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة وكل ضلالة في النار. لكنه على حد سائر السنن انما يكون ترك الانصات محرما، إذا كان ذلك رغبة عن -

 

[49]

وهو قول المحقق والشهيد. وإن لم يسمع فيهما أصلا، جازت القراءة بالمعنى الأعم، لكن ظاهر أبي الصلاح الوجوب، وربما أشعر به كلام المرتضى أيضا، والمشهور الاستحباب، و على القولين فهل القراءة للحمد والسورة أو للحمد وحدها ؟ قولان، وصرح الشيخ بالثاني. وأما أخيرتا الجهرية، ففيهما أقوال أحدها وجوب القراءة مخيرا بينها وبين التسبيح، وهو قول أبي الصلاح وابن زهرة، والثاني استحباب قراءة الحمد وحدها

 

السنة، واما إذا كان ساهيا أو جاهلا أو ناسيا أو لا يدرى فلا شئ عليه. هذا إذا سمع القراءة أو همهمة الامام بالقراءة، وأما إذا لم يستمع حتى همهمة الامام بعد كمال الانصات، فهو خارج عن مورد هذه السنة موضوعا كما في الصلوات الاخفاتية حيث لا جهر بالقراءة حتى يجب الانصات والاستماع، والاحسن الاشبه حنيئذ أن يذكر الله عزوجل كما يذكره في الاخريين من الصلوات الرباعية حيث لا قراءة رأسا، فيقول: " سبحان الله وبحمده استغفر الله ربى وأتوب إليه " ثلاثا ثم شفعا شفعا حتى يفرغ الامام عن قراءته ويركع. وأما قراءة المأموم لنفسه، فهى مرجوحة، فان الامام يتحمل عن المأمومين قراءتهم مطلقا فانه الوافد بجماعة من خلفه إلى الله تعالى والشفيع لهم عنده عزوجل بارزا عن صفوفهم يقرء من قبلهم ويتكلم فيما يهمهم بأجمعهم، سواء جهر بقراءته علنا أو أخفت فيها مناجاة، فلو قرء المأموم أيضا لنفسه، كان كأنه لا يعبأ بالامام وشفاعته منفردا في صلاته وهذا خلف. ولو سكت تعويلا على قراءة الامام وشفاعته، كان له، لكنه أيضا مكروه فان الساكت عن ذكر الله انما يسكت لسانه، وأما جنانه فلا يسكت أبدا، بل يشتغل بالاحاديث النفسانية يذهب ههنا وههنا كالساهي عن الصلاة والغافل عن الحضور عند الله عزوجل، وهذا مرجوح وسيمر عليك من أحاديث أهل البيت عليهم صلوات الله الرحمن ما ينص على ذلك من دون اختلاف فيها.

 

[50]

وهو قول الشيخ، والثالث التخيير بين قراءة الحمد والتسبيح استحبابا، وهو ظاهر جماعة منهم العلامة في المختلف. وإن كانت إخفاتية ففيهما أقوال أحدها استحباب القراءة فيها مطلقا وهو ظاهر كلام العلامة في الارشاد، وثانيها استحباب قراءة الحمد وحدها، وهو اختياره في القواعد والشيخ - ره - ثالثها سقوط القراءة في الأولتين ووجوبها في الاخيرتين مخيرا بين الحمد والتسبيح، وهو قول أبي الصلاح وابن زهرة، ورابعها استحباب التسبيح في نفسه وحمد الله، أو قراءة الحمد مطلقا، وهو قول نجيب الدين يحيى بن سعيد، ولم أقف في الفقه على خلاف في مسألة يبلغ هذا القدر من الأقوال انتهى كلامه رحمه الله. والأخبار فيها مختلفة جدا ولعل الأوجه في الجمع بينها حرمة القراءة فيما يجهر فيه الامام مع سماعه ولو همهمة، ومرجوحيتها فيما يخفت فيه مطلقا سواء كانت الأوليان أو الأخريان، ولا يبعد القول بالتحريم فيها، واستحباب القراءة فيما يجهر فيه إذا لم يسمع الهمهمة، والأحوط عدم الترك والظاهر جواز الاكتفاء بالحمد فقط. فائدة الظاهر استحباب دعاء التوجه للمأموم إذا لم يسمع قراءة الامام فإذا شرع الامام في القراءة وهو يسمع، فالظاهر وجوب الترك، وإذا سمع الهمهمة ففيه إشكال، ولعل الأحوط الترك، قال في الذكرى: هل يستحب للمأموم دعاء التوجه ؟ الوجه ذلك، للعموم، نعم لو كان يشغله الاستفتاح عن السماع أمكن استحباب تركه، وقطع الفاضل بأنه لا يستفتح إذا اشتغل به. 7 - المعتبر: روى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: إذا كان مأمونا على القراءة فلا تقرأ خلفه في الأخيرتين (1). وعن أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كنت في الأخريين فقل للذين

 

(1) رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 255.

 

[51]

خلفك يقرؤن فاتحة الكتاب (1). 8 - السرائر: روي أنه لا قراءة على المأموم في جميع الركعات والصلوات سواء كانت جهرية أو إخفاتية وهي أظهر الروايات (2). وروي أنه ينصت فيما جهر الامام فيه بالقراءة، ولا يقرء هو شيئا وتلزمه القراءة فيما خافت (3). وروي أنه بالخيار فيما خافت فيه الامام (4). وروي أنه لا قراءة على المأموم في الأخيرتين ولا تسبيح (5). وروي أنه يقرأ فيهما أو يسبح (6). 9 - مجالس ابن الشيخ: عن والده، عن المفيد، عن الجعابى، عن ابن عقدة عن محمد بن عبد الله بن غالب، عن الحسين بن رباح، عن ابن عميرة، عن محمد بن مروان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، منهم رجل أم قوما وهم له كارهون (7). بيان: قطع أكثر الأصحاب بكراهة من يكره المأمومون، والأخبار في ذلك كثيرة، وقال العلامة في التذكرة: يكره أن يؤم قوما وهم له كارهون، قال علي عليه السلام لرجل أم قوما وهم له كارهون: إنك لخروط، والاقرب أنه إن كان ذا دين يكرهه القوم لذلك لم يكره انتهى. والعجب أنه رحمة الله عليه قال في المنتهى: لا يكره إمامة من يكرهه المأمومون أو أكثرهم إذا كان بشرايطهم، خلافا لبعض الجمهور، لنا قوله صلى الله عليه وآله: يؤمكم أقرؤكم وذلك عام، ولا اعتبار بكراهة المأمومين له إذ الاثم إنما يتعلق بمن كرهه لا به انتهى، والخروط هو الذي يتهور في الامور ويركب رأسه في كل ما يريد بالجهل، وقلة المعرفة بالامور.

 

(1) راجع التهذيب ج 1 ص 331. (2 - 6) السرائر: 61. (7) أمالى الطوسى ج 1 ص 196.

 

[52]

10 - كتاب المسائل: لعلى بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يحل له أن يصلى خلف الامام فوق دكان ؟ قال إذا كان مع القوم في الصف فلا بأس (1). بيان: في الصف أي محاذيا لصفوفهم أو قريبا منها، ويدل على جواز علو المأموم على الامام، وبه قطع الاصحاب (2) ويظهر من المنتهى أنه إجماعي وأما ارتفاع موقف الامام عن المأمومين فالمشهور عدم الجواز في غير الأرض المنحدرة وربما ينقل فيه الاجماع وذهب الشيخ في الخلاف إلى الكراهة، ورجحه بعض المتأخرين وتردد فيه المحقق في المعتبر، وهو في محله، لان مستند الحكم خبر عمار الساباطي (3) وهو مع عدم صحته في غاية التشويش والاضطراب. واختلفوا في مقدار العلو المانع، فقيل إنه القدر المعتد به، وقيل قدر شبر، وقيل ما لا يتخطى (4) وقر به في التذكرة وقال: لو كان العلو يسيرا جاز إجماعا. ثم إن قلنا بالمنع فهل يختص البطلان بصلاة المأمومين، أم يعم صلاة الامام

 

(1) راجع المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 253. (2) ويدل عليه قوله تعالى لمريم وهى في غرفة العبادة لا يجوز لها أن تخرج منها الا لضرورة " يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعى مع الراكعين " فكان يركع من فوق غرفته مع من يركع مجتمعا في صحن معبدهم اقتداء بزكريا عليه السلام أو غيره من الانبياء والعباد الصالحين. (3) تراه في الكافي ج 3 ص 286، فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 253 - 254 التهذيب ج 1 ص 261 و 333 ط حجر ج 3 ص 53 ط نجف. (4) ما ورد من رواية زرارة (ج 1 ص 253 من الفقيه، ج 3 ص 385 من الكافي ج 3 ص 52 من التهذيب ط نجف) وأى صف كان أهله يصلون بصلاة امام وبينهم وبين الصف الذى يتقدمهم ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة... وأيما امرءة صلت خلف امام بينها وبينه ما لا يتخطى فليس لها تلك بصلاة " الحديث، فليس في مورد علو الامام عن مقام المأمومين أو بالعكس، بل -

 

[53]

أيضا، الذي ذكره الاصحاب الاول، وذهب بعض العامة إلى الثاني وهو ضعيف. 11 - ثواب الأعمال: بالاسناد المتقدم في الباب السابق، عن أبي هريرة وابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله: من أم قوما ولم يقتصد بهم في حضوره وقراءته وركوعه و سجوده وقعوده وقيامه، ردت عليه صلاته، ولا تجاوز تراقيه، وكانت منزلته عند الله عزوجل منزلة أمير جائر متعد لم يصلح لرعيته، ولم يقم فيهم بأمر الله (1). 12 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل أدرك مع الامام ركعة ثم قام يصلي كيف يصنع ؟ يقرء في الثلاث كلهن أو في ركعة أو في ثنتين ؟ قال: يقرء في ثنتين، وإن قرأ في واحدة أجزءه (2). توضيح: الثنتان إما مع التي أدركها مع الامام، أو مع قطع النظر عنها، كما هو الظاهر، فيحمل على ما إذا لم يقرء في تلك الركعة. واعلم أن أكثر الاصحاب لم يتعرضوا لقراءة المأموم إذا أدرك الامام في الأخيرتين وقد ورد في صحيحتي زرارة (3) وعبد الرحمن بن الحجاج (4) الأمر بالقراءة،

 

الحديث في باب الحائل: إذا كان بين المأموم والامام أو الصف المتقدم والمتأخر مانع كالجدار أو الصندوق أو غير ذلك بحيث يكون ارتفاعه أكثر من أن يتخطى عادة كان ذلك حائلا بينهم حالة السجود، ولا فرق في المانع عن صدق الاجتماع أن يكون مانعا في حالة السجود فقط أو حائلا في حالة الركوع والقيام والسجود معا. وهذا هو السر في جواز كون المأموم على مرتفع بحيث يرى ويشاهد الامام أو الصف المقدم عليه في جميع حالاته، وعدم جواز كون الامام على سطح مرتفع فانه لا يراه الصف المقدم حين السجود، الا إذا كان الارتفاع بالانحدار والانخفاض الذى يجوز معه الصلاة منفردا، صدقا لعنوان السجدة على الارض، كما مر في باب السجود. (1) ثواب الاعمال: 255. (2) قرب الاسناد ص 90 ط حجر: 117 ط نجف. (3) التهذيب ج 1 ص 258، الفقيه ج 1 ص 256 و 257. (4) التهذيب ج 1 ص 259.

 

[54]

وقال في المنتهى: الاقرب عندي أن القراءة مستحبة ونقل عن بعض فقهائنا القول بالوجوب لئلا تخلو الصلاة عن قراءة، إذا هو مخير في التسبيح في الأخيرتين، وليس بشئ، فان احتج بحديث زرارة و عبد الرحمن حملنا الأمر فيها على الندب، لما ثبت من عدم وجوب القراءة على المأموم انتهى. والمسألة لا تخلو من إشكال، والأحوط قراءة الحمد والسورة إن أمكنت وإلا فالحمد فقط كما في صحيحة زرارة (1) لا سيما إذا سبح الامام، بل الظاهر أن القراءة إنما هي في هذه الصورة، وهذا وجه جمع بين الاخبار، وفي أخبار القراءة ما يرشد إليه. ثم إن المشهور بين الأصحاب أن التخيير بين قراءة الحمد وبين التسبيح ثابت للمسبوق في الأخيرتين، وإن اختار الامام التسبيح ولم يقرأ هو، ويظهر من الأصحاب كون ذلك اتفاقيا بين الأصحاب انتهى، ونقل عن بعضهم القول بوجوب القراءة في ركعة لئلا تخلو الصلاة من القراءة، وأطلق بعض المتأخرين القراءة في الركعتين، لكن مقتضى دليلهم جواز الاكتفاء بالقراءة في ركعة، والأظهر عدم التعيين ويمكن حمل أخبار القراءة على التقية، ولا يبعد كون القراءة أولى كما اختاره الشهيد في النفلية وغيره. ويؤيده ما رواه الشيخ بسند (2) مرسل عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: أي شئ يقول هؤلاء في الرجل إذا فاتته مع الامام ركعتان ؟ قال: يقولون يقرء في الركعتين بالحمد وسورة، فقال: هذا يقلب صلاته فيجعل أولها آخرها، فقلت: كيف يصنع ؟ فقال: يقرء بفاتحة الكتاب في كل ركعة. ويمكن حمل أخبار القراءة على ما إذا لم يقرء خلف الامام، وأخبار التسبيح على ما إذا قرء، فيكون مخيرا بينهما.

 

(1) التهذيب ج 1 ص 259، وفيه: " فان لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب ". (2) المصدر نفسه، ورواه الصدوق في الفقيه ج 1 ص 263.

 

[55]

وقال السيد في المدارك: لا خلاف في التخيير بين القراءة والتسبيح في الاخيرتين فيما إذا أدرك الركعة الاخيرة مع الامام، وإنما الخلاف فيما إذا أدرك معه ركعتين وسبح الامام فيهما، فقيل يبقى التخيير بحاله للعموم، وقيل: تتعين القراءة لئلا تخلو الصلاة من فاتحة الكتاب وهو ضعيف. 13 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون خلف الامام فيطول في التشهد، فيأخذه البول أو يتخوف على شئ، أو يعرض له وجع، كيف يصنع ؟ قال: يسلم هو وينصرف ويدع الامام (1). بيان: لقد قطع الأصحاب بجواز تسليم المأموم قبل الامام، سواء كان لعذر أم لا، ويدل عليه أخبار، لكن بعضها كهذا الخبر مقيد بالعذر، والأحوط عدم الانفراد بدونه، وإن كان الظاهر جوازه مطلقا، وأما الانفراد قبل التشهد فمع عدم نية الانفراد لغير عذر الظاهر أنه لا خلاف في عدم جوازه، ولا ريب في جواز مفارقته للعذر، وأما بدون العذر مع نية الانفراد، فالمشهور جوازه أيضا. ونقل العلامة في النهاية الاجماع عليه وهو ظاهر المنتهى، وقال الشيخ في المسبوط: من فارق الامام بغير عذر بطلت صلاته، وإن فارقه بعذر وتمم صحت صلاته والمسألة محل تردد واحتياط، والقول بجواز الانفراد مختص بالجماعة المستحبة، أما الواجبة فلا يجوز قطعا، وهل يجوز عدول المنفرد في أثناء الصلاة إلى الايتمام ؟ فيه قولان: أقربهما العدم، وجوزه الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الاجماع، ونفى العلامة عنه البأس في التذكرة. 14 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: بسنديهما عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن إمام مقيم أم قوما مسافرين، كيف يصلي المسافرون ؟ قال: ركعتين ثم

 

(1) قرب الاسناد ص 124 ط نجف ص 95 ط حجر، كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 281 - 282.

 

[56]

يسلمون ويقعدون، فيقوم الامام فيتم صلاته فإذا سلم وانصرف انصرفوا (1). بيان: يدل على جواز ايتمام المسافر بالمقيم والمشهور بين الأصحاب كراهة قال: لا يجوز إمامة المتم للمقصر ولا العكس، وظاهر المحقق والعلامة الاتفاق على عدم التحريم، وهو القوي. ويدل على أن المسافر يسلم عند تمام صلاته ولا خلاف فيه، وعلى أنه يستحب أن لا ينصرف حتى يسلم الامام، بل حتى ينصرف، وإنما حملنا على الاستحباب للاتفاق على عدم الوجوب، وللأخبار الصحيحة الدالة على جواز الانصراف قبله، ولو انعكس الفرض تخير الحاضر عند انتهاء الفعل المشترك بين المفارقة في الحال، والصبر حتى يسلم الامام، فيقوم إلى الاتمام، والمشهور عدم وجوب بقاء الامام المسافر في مجلسه إلى أن يتم المأموم المقيم، خلافا للمرتضى وظاهر ابن الجنيد، فانهما أوجبا ذلك، والظاهر الاستحباب لورود الخبر بالجواز والمشهور، أن الكراهة مخصوصة بالصلاة المقصورة وقيل مطلقا. 15 - المنتهى: ذكر ابن بابويه في كتابه أنه يستحب للمأمومين إذا فرغ الامام من قراءة الحمد أن يقولوا " الحمد لله رب العالمين " ورواه الحسين بن سعيد أيضا في كتابه. 16 - مجالس ابن الشيخ: عن محمد بن محمد بن مخلد، عن عثمان بن أحمد الدقاق، عن عبيد بن عبد الواحد، عن ابن أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن يحيى ابن أبي سليمان المدني، عن يزيد بن أبي القتاة وابن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أردك الصلاة (2).

 

(1) قرب الاسناد ص 99 ط حجر، ص 129 ط نجف، كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 4 ص 157 ط ك ج 10 ص 285 الطبعة الحديثة هذه. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 398 - 399.

 

[57]

تفصيل وتبيين اعلم أن للمأموم بالنظر إلى إدراك الامام أحوالا: الأولى: أن يدركه قبل الركوع، وحكمه أن يدخل معه، ويحتسب بتلك الركعة كما عرفت، والظاهر أنه اتفاقي. الثانية: أن يدركه في حال ركوعه، وستعرف أن في إدراك الركعة به خلافا وحينئذ يكبر المأموم تكبيرة للافتتاح، وتكبيرة للركوع مستحبا، ولو خاف الفوات أجزأته تكبيرة الافتتاح، وفي المنتهى نقل الاتفاق عليه. ثم قال: لو نوى التكبير للافتتاح صحت صلاته قطعا، ولو نواه للركوع لم تصح صلاته لاخلاله بالركن، والامام لا يتحمله، ولو أطلق ففيه تردد أقربه البطلان، و لو نواهما بالتكبيرة الواحدة ففيه إشكال انتهى، والصحة في الاخير لا يخلو من قوة لما سيأتي من رواية عمار وغيره (1). الثالثة: أن يدركه بعد رفع رأسه من الركوع، ولا خلاف بين الأصحاب في فوات الركعة حينئذ واستحب أكثر علمائنا التكبير للمأموم، والمتابعة في السجدتين وإن لم يعتد بهما تحصيلا لادراك الفضيلة، ويظهر من العلامة في المختلف التوقف في هذا الحكم، للنهي عن الدخول في الركعة عند فوات تكبيرها في صحيحة محمد بن مسلم (2) عن الباقر عليه السلام قال: قال لي إذا لم تدرك القوم قبل أن يكبر الامام الركعة فلا تدخل معهم، واجيب بأنه محمول على الكراهة، لدلالة الأخبار الكثيرة على جواز اللحوق في الركعة. وروى الشيخ عن معلي بن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا سبقك الامام

 

(1) المحاسن ص 326. (2) التهذيب ج 1 ص 258، ولكن ايراد هذا الخبر أليق بالحالة الثانية، وهى ادراك الامام في الركوع، ومثله صحيحته الاخرى عن أبى جعفر عليه السلام قال: لا تعتد بالركعة التى لم تشهد تكبيرها مع الامام، ومثله ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة، وسيأتى الكلام فيه.

 

[58]

بركعة فأدركت وقد رفع رأسه فاسجد معه، ولا تعتد بها (1) لكن ليس في الرواية سوى المتابعة في السجود من النية والتكبير والدخول معه في الصلاة. ثم إن قلنا بالاستحباب المذكور، فهل يجب استيناف النية وتكبيرة الاحرام بعد ذلك ؟ اختلفوا فيه فذهب الأكثر إلى الوجوب، وقال الشيخ: لا تجب، فان قلنا بالاستيناف كان التكبير المأتي به أولا مستحبا. الرابعة: أن يدركه وقد سجد سجدة واحدة، وحكمه كالسابق فعلى المشهور يكبر ويسجد ولا يعتد به، وفي وجوب الاستيناف الخلاف السابق، وعدم الاستيناف هنا أولى، لأن المزيد ليس ركنا، والظاهر أنه لم يفرق الأصحاب بينه وبين ما لو أدرك الامام في السجدة، لكن قول الصادق عليه السلام في صحيحة (2) عبد الرحمان بن أبي عبد الله إذا وجدت الامام ساجدا فاثبت مكانك حتى يرفع رأسه، وإن كان قاعدا قعدت، وإن كان قائما قمت، ينفيه. وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: قلت له: متى يكون مدرك الصلاة مع الامام ؟ قال: إذا أدرك الامام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته، فهو مدرك لفضل الصلاة مع الامام، فلا صراحة له في اللحوق والسجود. نعم روى الصدوق (4) بسنده الصحيح عن معاوية بن شريح وفيه جهالة لكن اعتمد الصدوق عليه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع، ومن أدرك الامام وهو ساجد كبر وسجد معه، ولم يعتد بها، ومن أدرك الامام وهو في الركعة الأخيرة فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدركه وقد رفع رأسه من السجدة الأخيرة وهو في التشهد فقد أدرك الجماعة، وليس عليه أذان ولا إقامة، ومن أدركه وقد سلم فعليه الأذان

 

(1) التهذيب ج 1 ص 259. (2) التهذيب ج 1 ص 330. (3) التهذيب ج 1 ص 262. (4) الفقيه ج 1 ص 265.

 

[59]

والاقامة. وهو يدل على التكبير والسجود، وقوله عليه السلام " وهو ساجد " شامل للسجود الاول والثاني، وظاهره عدم استيناف التكبير. الخامسة: أن يدركه بعد رفع رأسه من السجدة الاخيرة، وقد حكم الفاضلان وغيرهما بأنه يكبر ويجلس معه، فإذا سلم الامام قام وأتم صلاته، ولا يحتاج إلى استيناف التكبير، وقد صرح المحقق بأنه مخير بين الاتيان بالتشهد وعدمه، لتعارض موثقتي عمار في ذلك، إذ في إحدى الروايتين " يقعد فإذا سلم الامام قام فأتم صلاته " (1) وفي الاخرى " يفتتح الصلاة ولا يقعد مع الامام حتى يقوم " (2) وما ذكره حسن، لكن مورد الروايتين مختلف إذ الاولى في التشهد الأخير، والأخيرة في الأول فلا تنافي. وقال الشهيد في الذكرى: روى ابن بابويه أن منصور بن حازم كان يقول إذا أتيت الامام وهو جالس وقد صلى ركعتين، فكبر ثم اجلس وإذا قمت فكبر وفي هذا إيماء إلى عدم الاجتزاء بالتكبير، إلا أن يجعله تكبير القيام، وهو نادر. والظاهر أنه يدرك فضل الجماعة إذا كان التأخير لا عمدا لانه مأمور به مندوب إليه، وليس إلا لادراك الفضيلة، وأما كونها كفضيلة من أدرك قبله فغير معلوم، وقال ابن بابويه فيمن أدركه في السجدة الأخيرة أو في التشهد أنه أدرك الجماعة. وقال ابن إدريس: يدرك فضيلة الجماعة بادراك بعض التشهد، وظاهره أنه يدرك ذلك وإن لم يتحرم بالصلاة انتهى، والعلامة في التذكرة قال: الاقرب عدم إدراك الفضيلة في تلك الصور، ويحتمل الادراك. 17 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف، عن أبي جميلة، عن سعد بن ريف، عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ستة لا ينبغي أن يؤموا الناس: ولد الزنا، والمرتد،

 

(1) التهذيب ج 1 ص 330. (2) التهذيب ج 1 ص 331.

 

[60]

والأعرابي بعد الهجرة، وشارب الخمر، والمحدود، والاغلف (1). السرائر نقلا عن كتاب جعفر بن محمد بن قولويه باسناده إلى الأصبغ مثله (2). تبيين: الخبر يتضمن أحكاما: الأول: المنع من إمامة ولد الزنا، والمشهور أنه على التحريم وادعى جماعة أنه لا خلاف فيه، ويدل عليه حسنة (3) زرارة عن أبي جعفر عليه السلام حيث ورد بلفظ النهي، ولا منع فيما تناله الألسن، ولا ولد الشبهة، ولا من جهل أبوه، لكن قالوا يكره لنفرة النفس منهم، الموجبة لعدم كمال الاقبال على العبادة. الثاني: المرتد ولا ريب في عدم جواز إمامته لاشتراط الايمان فيها اتفاقا. الثالث: الأعرابي بعد الهجرة، ولا ريب في عدم جواز إمامته مع وجوب الهجرة عليه، وإصراره على الترك بغير عذر، وقد ورد في أخبار كثيرة أن التعرب بعد الهجرة من الكبائر، لكن تحققه في هذا الزمان غير معلوم كما علمت. الرابع: شارب الخمر، ولا ريب في المنع من إمامته. الخامس: المحدود، وهو قبل التوبة فاسق لا تجوز إمامته، وأما بعد التوبة فقد حكم الأكثر بكراهة إمامته، وعلله في المعتبر بنقص مرتبته بذلك عن منصب الامامة، وإن زال فسقه بالتوبة، ونقل عن أبي الصلاح أنه منع من إمامة المحدود بعد التوبة إلا لمثله، ورده الأكثر بأن المحدود ليس أسوء حالا من الكافر، و بالتوبة واستجماع الشرايط تصح إمامته، وهذا الخبر لا يمكن الاستدلال به على ع