بحار الانوار الجزء
54
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس
الله سره) الجزء الرابع والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة
الثالثة المصححة 1403 ه 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت لبنان بناية
كليوباترا - شارع دكاش ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766
المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث تلكس 44632 / LE تراث
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتى الحمد
لله خالق الارضين والسماوات، وسامك المسموكات، وداحي المدحوات ومخرج عباده إلى
النور من الظلمات، مزوج الآباء العلوية (1) امهات السفليات ومثمر المواليد من أرحام
الاسطقسات (2) ومظهر الانواع المتوالدة والمتولدة من مشائم القابليات. والصلاة على
أشرف الخلائق والبريات وعين أعيان المكونات (3) وأفضل تتائج الآباء والامهات، محمد
المصطفى وأهل بيته الاقدسين الذين بهم جرت جميع النعم على الكائنات، وبنورهم يهتدى
إلى مناهج السعادات، وبذكر شفاعتهم يشفى غليل صدور أرباب الجرائم والسيئات. اما بعد
فيقول أفقر العباد إلى عفو ربه الغافر محمد بن محمد تقي المدعو بباقر رزقهما الله
السعادة في اليوم الآخر، وثبت أقدامهما في المزالق والمعاثر (4): هذا هو المجلد
الرابع عشر من كتاب بحار الانوار المسمى بكتاب السماء والعالم لاشتماله على كشف
الغطاء عن غوامض أسرار الآيات والروايات المتعلقة بخلق اللوح و القلم والعرش
والكرسي والحجب والسرادقات والسماوات، وأصناف الملائكة و الكواكب والنجوم وصفاتها
وأحكامها وآثارها والارضين والعناصر والمواليد من
(1) العلويات (خ ل). (2) الاسطقس: لغة
يونانية معناها بالعربية الاصل، وفي اصطلاح الفلاسفة الطبيعيين أبسط أجزاء المركب.
(3) المكنونات (خ ل). (4) المزالق والمعاثر: المواضع التى تزل فيها الاقدام (*).
[2]
المعادن والنباتات والحيوانات، وخواصها
وحلها وحرمتها وصيدها وذبحها، ومنافع الادوية والثمار والحشايش والعقاقير وخواصها
وفوائدها، وأحوال الانسان و النفس والروح وتشريح الابدان وعلم الطب، وأحوال البقاع
والبلدان والاصقاع وساير ما يتعلق بتلك الاعيان. وهذا مما لم يسبقني إليه أحد من
علمائنا والمخالفين وأرجو بفضله سبحانه أن يكون مما تقربه أعين المؤمنين ويسخن (1)
عيون المنافقين والملحدين، وأستمد المعونة في ذلك من ربي جل شأنه ثم من موالي
الاكرمين وحسبنا الله ونعم الوكيل. (أبواب) * (كليات أحوال العالم وما يتعلق
بالسماويات) * 1. (باب) * (حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الامور) * (2)
الايات: البقرة: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسويهن سبع
سماوات وهو بكل شئ عليم (3). الانعام: الحمد لله الذي خلق السماوات وجعل الظلمات
النور (4). الاعراف: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى
على العرش (5).
(1) سخنت عينه (بكسر الخاء المعجمة) يسخن
(بفتحها): نقيض (قرت) وأسخن عينه وسخنها: أبكاه. (2) الاحوال (خ ل). (3) البقرة:
29. (4) الانعام: 1. (5) الاعراف: 54 (*).
[3]
يونس: إن ربكم الله الذي خلق السماوات
والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر (1). هود: وهو الذي خلق السماوات
والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا (2). الكهف: ما
أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (3).
الانبياء: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من
الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون (4). الفرقان: الذي خلق السماوات والارض وما بينهما في
ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (5). التنزيل: الله الذي خلق
السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش (6). السجدة: قل أئنكم
لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل
فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين *
ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا
طائعين * فقضيهن سبع سماوات في يومين و أوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا
بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (7).
(1) يونس: 3. (2) هود: 7. (3) الكهف: 51.
(4) الانبياء: 30. (5) الفرقان: 59. (6) الم السجدة: 4. (7) حم السجدة: 9 - 12.
[4]
ق: ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما
في ستة أيام وما مسنا من لغوب (1). الحديد: هو الذي خلق السماوات والارض في ستة
أيام ثم استوى على العرش (2). النازعات: ءأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع
سمكها فسويها * وأغطش ليلها وأخرج ضحيها * والارض بعد ذلك دحيها * أخرج منها مائها
ومرعيها * والجبال أرسيها * متاعا لكم ولانعامكم (3). الاعلى: سبح اسم ربك الاعلى *
الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى (4). تفسير: (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا)
امتنان على العباد بخلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ويتم به معاشهم ومعنى (لكم) لاجلكم
وانتفاعكم في دنياكم باستعمالكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط وفي دينكم
بالاستدلال والاعتبار والتعرف بما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها. وهذا مما يستدل
به على إباحة جميع الاشياء إلا ما أخرجه الدليل. و (ما) يعم كل ما في الارض، لا
الارض، إلا إذا اريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. (جميعا) حال عن
الموصول الثاني (ثم استوى إلى السماء (5)) أي قصد إليها بإرادته من قولهم (استوى
إليه)
(1) ق: 38. (2) الحديد: 4. (3) النازعات:
33 27. (4) الاعلى 1 - 3. (5) قال والراغب في مفرداته: سماء كل شئ أعلاه، قال
الشاعر في وصف فرس: وأحمر كالديباج أما سماؤه * فريا وأما أرضه فمحول وسمى المطر
سماء لخروجه منها، وسمى النبات سماء إما لكونه من المطر الذى هو سماء وإما لارتفاعه
عن الارض. والسماء المقابل للارض مؤنث وقد يذكر، ويستعمل للواحد والجمع لقوله (ثم
استوى إلى السماء فسواهن) وقد يقال في جمعها (سماوات) قال: (خلق السموات، قل من رب
السماوات) وقال (السماء منفطر به) فذكر وقال: (إذا السماء انشقت) و (إذا السماء
انفطرت) فأنث (انتهى ملخصا) (*).
[5]
إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على
شئ. وقيل: استوى أي استولى وملك قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق * من غير سيف
ودم مهراق والمراد بالسماء الاجرام العلوية أو (1) جهات العلو كما قيل. (فسويهن) أي
عدلهن وخلقهن مصونة من العوج والفطور، وقيل: (هن) ضمير السماء إن فسرت بالاجرام
لانها جمع أوفي معنى الجمع، وإلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم: ربه رجلا (سبع
سماوات) بدل أو تفسير، والسبع لا ينافي التسع التي أثبتوها أصحاب الارصاد، إذ
الثامن والتاسع مسميان في لسان الشرع بالكرسي والعرش (2). (وهو بكل شئ عليم) قيل:
فيه تعليل كأنه قال ولكونه عالما بتلك الاشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط
الاكمل والوجه الانفع، والاستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب
الانيق كان عليما، وتدل الآية على حدوث السماوات بل الارض أيضا كا سيأتي بيانه.
(الحمد لله الذي خلق السماوات والارض) أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد
(1) أي (خ ل). (2) غير خفى أن هذا التطيبق
مبنى على الفرضية البطلميوسية في الهيئة وهى كون الافلاك الكلية تسعة وفيه جهات من
الاشكال. الاولى أن عدد الافلاك بناء على تلك الفرضية تسعة والسماوات سبع بالنص غير
القابل للتأويل، وتطبيق الثامن على الكرسي والعرش قول من غير دليل، بل الدليل على
خلافه كما سيجئ في معنى العرش والكرسي. الثانية أن القرآن يجعل الكواكب كلها مصابيح
للسماء الدنيا (وهى السماء الاولى ظاهرا) لا مثبتا فيها ولا في غيرها من السماوات
بل يصرح بأنها تسبح في الفلك، وأما على الفرض المذكور فمحل الثوابت هو الفك الثامن
ومحل كل من السيارات التى ينحصر عددها في السبع على الفرض فلك من الافلاك المحوية
وكلها مركوزة في الافلاك يستحيل عليها الانتقال وتغير الوضع إلا بتبع الافلاك.
الثالثة أن الفلك بمعناه المصطلح في الهيئة القديمة لا أثر منها في الخارج وقد
استدل عليه علماء الهيئة الحديثة بدلائل متعددة. إلى غير ذلك (*).
[6]
ونبه على أنه المتسحق له على هذه النعم
الجسام حمد أو لم يحمد ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون، وجمع السماوات دون
الارض وهي مثلهن لان طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات وقدمها لشرفها
وعلو مكانها (وجعل الظلمات والنور) أي أنشأهما والفرق بين (خلق) و (جعل) الذي له
مفعول واحد أن (خلق) فيه معنى التقدير و (جعل) فيه معنى التضمين، ولذلك عبر عن
إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية
وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والاجرام الحاملة لها أو لان المراد بالظلمة الضلال
وبالنور الهدى، والهدى واحد والضلال متعدد. وتقديمها لتقدم الاعدام على الملكات.
(في ستة أيام) المشهور أن المراد بالايام هنا مقدار أيام الدنيا، وروي عن ابن عباس
أنها من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون. اقول: وبمثل هذا الخبر لا يمكن
صرف الآية عن ظاهرها. ثم إنه سبحانه إنما خلق في هذه المدة مع أنه كان قادرا على
خلقها في طرفة عين إما لعبرة من خلقها من الملائكة، إذ الاعتبار في التدريج أكثر
كما ورد في الخبر، أو ليعلم بذلك أنها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح ووجوه
الاحكام، إذ لو حصلت من مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة، أو ليعلم الناس التأني
في الامور وعدم الاستعجال فيها كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام (ولو شاء أن
يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق ولكنه جعل الاناء (1) والمداراة مثالا لامنائه
وإيجابا للحجة على خلقه). واورد هنا إشكال وهو أن اليوم إنما يحصل بحركة الشمس
وطلوعها وغروبها فما معنى اليوم ههنا ؟ ويمكن أن يجاب بوجوه: الاول: أن مناط تمايز
الايام وتقدرها إنما هو حركة الفلك الاعلى دون السماوات السبع، والمخلوق في الايام
المتمايزة إنما هو السماوات السبع و
(1) الاناء، بفتح الهمزة اسم من الايناء
أي الابطاء والتأخير (*).
[7]
الارض وما بينهما دون ما فوقهما، ولا يلزم
من ذلك الخلا لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع. الثاني: أن المراد
بالايام الاوقات، كقوله تعالى (ومن يولهم يومئذ دبره) (1). الثالث: أن المراد: في
مقدار ستة أيام، ومرجع الجميع إلى واحد، إذ قبل وجود الشمس لا يتصور يوم حقيقة،
فالمراد إما مقدار من الزمان مطلقا، أو مقدار حركة الشمس هذا القدر، وعلى التقديرين
إما مبني على كون الزمان أمرا موهوما منتزعا من بقائه سبحانه، أو من أول الاجسام
المخلوقة كالماء، أو من الارواح المخلوقة قبل الاجسام على القول به، أو من الملائكة
كما هو ظاهر الخبر الآتي وإما بالقول بخلق فلك متحرك قبل ذلك بناء على القول بوجود
الزمان وأنه مقدار حركة الفلك، فإن التجدد والتقضي والتصرم الذي هو منشأ تحقق
الزمان عندهم في الجميع متصور (2).
(1) الانفال: 16. (2) يقع الكلام في قوله
تعالى (خلق الله السماوات والارض في ستة ايام) تارة في معنى السماوات وماهيتها،
واخرى في معنى الايام المذكورة وكيفية تصويرها حين خلق السماوات والارض، وثالثة في
معنى الخلق وكيفية وقوعه في برهة من الزمان. اما السماوات فالظاهر من الايات
الكريمة والروايات الشريفة انها اجسام لطيفة خلقت من مادة سماها القرآن (دخانا) قال
تعالى: ثم استوى إلى السماء وهى دخان إلى ان قال فقضيهن سبع سماوات) لكن قد يستعمل
السماء بمعنى الموجود العالي سواء كان علوه حسيا أو غير حسى كما ورد في صعود
الاعمال إلى السماء ونزول الارزاق منها إلى غير ذلك، ولعل قوله تعالى (وفتحت السماء
فكانت ابوابا) ايضا من هذا القبيل. ثم الظاهر انه كان قبل خلق السماوات والارض شئ
سماه القرآن (ماء) وانه مادة جميع الاجسام، قال تعالى (خلق السماوات والارض في ستة
ايام وكان عرشه على الماء) ويؤيد ذلك كله روايات كثيرة ستطلع عليها من قريب.
والظاهر ان اصل السماء خلق قبل الارض لكن فتقها وتسويتها سبعا وقع بعده، قال تعالى
(خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات) كما ان الظاهر
ان دحو الارض كان بعد تسوية السماوات، قال تعالى (والارض بعد ذلك دحيها) وايضا
الظاهر ان الكواكب كلها ولا اقل من المرئية منها تحت (*).
[8]
وقال بعض الصوفية: للزمان المادي زمان
مجرد كالنفس للجسد، وللمكان
السماء الاولى، قال تعالى (وزينا السماء
الدنيا بمصابيح) وقال تعالى (انازينا السماء الدنيا بزينة الكواكب). واما الايام
فالمتيقن انه لم يكن قبل خلق الارض يوم بمعناه المشهور، اعني ما يحصل من حركة الارض
الوضعية، لان هذا المعنى انما يمكن قرضه بعد وجود ارض متحركة: فالمراد بها اما
ساعات مساوية لها، أو مقادير اخرى من الزمان اعتبرت أياما بعناية: كما يطلق الايام
على السنين والاعوام بلى على القرون والاحقاب وهو استعمال شائع. وعلى أي تقدير فان
قيل بوجود الزمان قبل خلق السماوات والارض فلابد من الالتزام بوجود جسم متحرك بحركة
جوهرية أو عرضية قبلها - وقد مر استظهار وجود الماء عندئذ - والا فمعنى وقوع خلق
السماوات والارض في تلك الازمنة مقارنته لها: ويكفى في المقارنة كونها بحركتها
راسمة للزمان. وأما القول بان الزمان امر موهوم منتزع من بقاء ذات الباري سبحانه
فان اريد ان ذاته تعالى منشأ لا نتزاعه ففيه مضافا إلى انه ينافى مخلوقيته ان
الزمان امر سيال متصرم وحقيقته التجدد والتغير وما هذا شانه يستحيل انتزاعه مما لا
سبيل للتغير إليه بوجه، وكذلك القول بانتزاعه من الملائكة أو الارواح، الا ان يقال
بكونها اجساما قابلة للحركة فتصير كسائر الاجسام في صحة انتزاع الزمان من حركتها
فتأمل. وان اريد انه امر موهوم لا اثر منه في الخارج اصلا فلا يمكن اناطة الابحاث
الحقيقية كبحث القدم والحدوث الزمانين وغيره من الابحاث الهامة: مع انه بناء عليه
لا يبقى فرق حقيقي بين الحوادث الماضية والاتية ! وسيأتى الكلام فيه. واما الكلام
في وقوع الخلق مقارنا للايام الستة فالذي يظهر من الايات الشريفة ان المراد بالخلق
ليس هو الاحداث الدفعي بل المراد الايجاد التدريجي: قال تعالى (هو الذى خلق
السماوات والارض في ستة ايام) وقال (خلق الارض في يومين) وقال (وجعل فيها رواسي من
فوقها و بارك فيها وقدر فيها اقواتها في اربعة ايام) والظاهر انه ليس المراد بهذه
الاربعة اياما اخرى غير اليومين الاولين، والا لما بقى لخلق السماوات شئ من ستة
ايام، وهو تعالى يقول بعيد هنا (فقضيهن سبع سماوات في يومين) فخلق الارض واكمالها
إلى ان تستعد لوجود الرواسى و تهيئة الاقوات كل ذلك وقع في اربعة أيام، الا ان يقال
بتداخل ايام خلق السماوات في أيام خلق الارض ووقوع خلق السماوات مقارنا ليومين من
ايام خلق الارض وكيف كان فيشبه ان يكون المراد بالايام التى خلقت فيها الارض
الادوار التى مرت عليها من حين احداثها إلى ان صارت على حالها هذه واستعدت لنشوء
الموجود الحى فيها، فينطبق على ما ذكره علماء (الجيولوجيا) في ادوار الارض بعض
الانطباق. وان يكون المراد باليومين اللذين خلق فيهما السماوات الدورتين اللتين
مرتا عليها اعني الدورة التى كانت مرتتقة غير متميزة، والدورة التى فتقت وسويت سبع
سماوات متميزة. وسيأتى نقلا عن تفسير القمى ان المراد باربعة أيام الفصول الاربعة
لانها التى يخرج الله تعالى فيها اقوات الناس والبهائم وسائر الحيوانات والله
العالم (*).
[9]
المادي مكان مجرد وهما عارضان للمجردات
ولا يمكن فهمه وخارج عن طور العقل كسائر خيالاتهم وأقوالهم. وعلى أي حال هذه الآية
وما سيأتي من أشباهها تدل على حدوث السماوات والارض وما بينهما لان الحادث في اليوم
الاخير مثلا مسبوق بخمسة أيام فيكون متناهي البقاء منقطع الوجود في جهة الماضي،
والموجود في اليوم الاول زمان وجوده أزيد على الاخير بقدر متناه فالجميع متناهي
الوجود حادث فيرد على الحكماء كون الزمان ايضا حادثا متناهيا لانه عندهم مقدار حركة
الفلك. وأما ما ذكره الرازي في تفسيره (1) من أن المراد بستة أيام ستة أحوال (2)
وذلك لان السماء والارض وما بينهما ثلاثة أشياء ولكل واحد منهما ذات وصفة فنظرا (3)
إلى خلقه (4) ذات السماء حالة، وإلى (5) خلقه (6) صفاتها اخرى، و نظرا (7) إلى خلقه
(8) ذات الارض وإلى صفاتها كذلك، ونظرا (9) إلى ذوات ما بينهما وإلى صفاتها اخرى
(10) فهي ستة أشياء في ستة أحوال، وإنما ذكر الايام لان الانسان إذا رأى (11) إلى
الخلق رآه فعلا، والفعل ظرفه الزمان والايام أشهر الازمنة، وإلا فقبل السماوات لم
يكن ليل ولا نهار، وهذا مثل ما يقول القائل لغيره (إن يوما ولدت فيه كان يوما
مباركا) وقد يجوز أن يكون ولد ذلك ليلا (12) ولا يخرج عن مراده لان المراد الزمان
(13) الذي هو ظرف
(1) مفاتيح الغيب، ج 6 ص 751 في تفسير
سورة السجدة. (2) في نظر الناظرين (كذا في مفاتيح الغيب). (3 و 7 و 9) فنظر (نسخة).
(4 و 6 و 8) خلقة (خ ل). (5) ونظرا لى خلقه (كذا في المدر). (10) صفاتها كذلك (في
المصدر). (11) إذا نظر (مفاتيح الغيب). (12) أن يكون ذلك قد ولد ليلا (المصدر).
(13) هو الزمان (المصدر) (*).
[10]
ولادته. فهو تكلف بعيد مستغنى عنه، وما
ذكرنا أقرب إلى لفظ الآية الكريمة وأوفق بالمراد. وسيأتي معاني (1) (العرش) و
(استوى (2) عليه). (وكان عرشه على الماء) قال البيضاوي (3): أي قبل خلقهما لم يكن
حائل بينهما لا أنه كان موضوعا على متن الماء واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء
أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم وقيل: كان الماء على متن الريح والله أعلم
بذلك (انتهى) وقال الطبرسي (4): وفي هذا دلالة على أن العرش و الماء كانا موجودين
قبل خلق السماوات والارض وكان الماء قائما بقدرة الله على غير موضع قرار بل كان
الله يمكسه بكمال قدرته وفي ذلك أعظم الاعتبار لاهل الانكار وقيل: المراد (5) بقوله
(عرشه) بناؤه يدل عليه (ومما يعرشون) أي يبنون فالمعني (6): وكان بناؤه على الماء،
فإن البناء على الماء أبدع وأعجب، عن أبي مسلم (انتهى). وقال الرازي في تفسيره (7):
قال كعب: خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق
الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء. قال أبو بكر الاصم: ومعنى قوله
(وكان عرشه على الماء) كقولهم السماء على الارض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما
ملتصقا بالآخر وكيف كانت الواقعة يدل (8) على أن العرش والماء كانا قبل السماوات
والارض قالت المعتزلة: وفي الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما لانه لا يجوز
أن
(1) في نسخة: بيان العرش. (2) والاستواء
(خ ل). (3) أنوار التنزيل، ج 1 س هود ى 7. (4) مجمع البيان، ج 5، سورة هود وليس فيه
لفظة الواو. (5) ان المراد (خ ل). (6) والمعنى (خ ل). (7) مفاتيح الغيب ج 5 ص 57 في
تفسير سورة هود. (8) فذلك يدل (مفاتيح الغيب للرازي) (*).
[11]
يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرش والماء
(انتهى). وفي بعض الاخبار أن المراد حمل علمه ودينه الماء، وربما يؤول من قال
بالهيولى الماء بها. (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أي خلقهن لحكمة بالغة وهي أن يجعلها
مساكن لعباده وينعم عليهم فيها بفنون النعم ويكلفهم ويعرضهم لثواب الآخرة ولما أشبه
ذلك اختبار المختبر، قال (ليبلوكم) أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لاحوالكم كيف
تعملون. وعن الصادق عليه السلام: ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا، و إنما
الاصابة خشية الله والنية الصادقة. (ما أشهدتهم خلق السماوات والارض) قال الطبرسي
(1) ره أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم مستعينا بهم
على ذلك، ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض، وهذا إخبار عن كمال قدرته و استغنائه عن
الانصار والاعوان، ويدل عليه قوله (وما كنت متخذ المضلين عضدا) أي الشياطين الذين
يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه، وكثيرا ما يستعمل العضد بمعنى العون (2). وقيل:
المعنى أنكم اتبعتم الشياطين كما يتبع من يكون عنده علم لا ينال إلا من جهته وأنا
ما طلعتهم على خلق السماوات (3) ولا على خلق أنفسهم، ولم اعطهم العلم بأنه كيف يخلق
الاشياء فمن أين يتبعونهم ؟ وقيل: معناه ما أحضرت مشركي العرب وهؤلاء الكفار خلق
السماوات والارض ولا بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا إن
الملائكة بنات الله و من أين ادعوا ذلك ؟ (انتهى) وزاد الرازي وجهين آخرين (4):
أحدهما أن الضمير عائد إلى الكفار
(1) مجمع البيان ج 6 ص 476 في تفسير سورة
الكهف ى 51. (2) وانما وحده هنا لوفاق الفواصل (مجمع البيان). (3) والارض (مجمع
البيان). (4) نقل عن مفاتيح الغيب، ج 5 ص 729 في تفسير سورة الكهف ملخصا (*).
[12]
الذين قالوا له صلى الله عليه وآله: إن لم
تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء فلا نؤمن بك، فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا
بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في خلق العالم وتدبير الدنيا
والآخرة بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح ؟ ونظيره أن من اقترح عليك
اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست بسلطان البلد ولا وزير الملك حتى نقبل منك هذه
الاقتراحات. وثانيهما: أن يكون المراد هؤلاء الكفار أيضا ويكون المعنى: أنتم جاهلون
بما جرى به القلم من أحوال السعادة والشقاوة فكيف يمكنكم أن تحكموا لانفسكم بالرفعة
والكمال والعلو ولغيركم بالذل والدفاءة (انتهى). وروى العياشي عن الباقر عليه
السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز (1) الاسلام بعمر بن الخطاب
أو بأبي جهل بن هشام فأنزل الله هذه الآية يعنيهما. وفي الكافي (2) عن الجواد عليه
السلام: إن الله تعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا
ألف دهر، ثم خلق جميع الاشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمرها (3)
إليهم (الخبر) وهذا الخبر صريح في حدوث جميع أجزاء العالم. (أولم ير الذين كفروا)
قال الطبرسي ره: استفهام يراد به التقريع (4) والمعنى: أو لم يعلموا أن الله سبحانه
(5) الذي يفعل هذه الاشياء ولا يقدر عليها غيره فهو الاله المستحق للعبادة دون غيره
(أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) تقديرها: كانتا ذواتي رتق (6) والمعنى:
كانتا ملتزقتين منسدتين ففصلنا
(1) أعن (خ ل). (2) ج 1 ص 440 من الطبعة
الحديثة. (3) في المصدر: امورها. (4) التقريع: التعنيف والعتاب الشديد. (5) في
المصدر: أنه سبحانه. (6) في المصدر: تقديره: كانتا ذواتي رتق فجعلناهما ذواتي فتق
(*).
[13]
بينهما بالهواء، عن ابن عباس وغيره (1).
وقيل: كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات، وكانت الارض كذلك ففتقناها
سبع أرضين، عن مجاهد و السدي. وقيل: كانت السماء رتقا لا تمطر، والارض رتقا لا
تنبت، ففتقنا السماء بالمطر والارض بالنبات، عن عكرمة وعطية وابن زيد، وهو المروي
عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (2) (انتهى). وقال الرازي: الرؤية إما
بمعنى الابصار أو العلم، والاول مشكل لان القوم ما رأوهما، ولقوله تعالى (ما
أشهدتهم خلق السماوات والارض) والثاني أيضا مشكل لان (3) الاجسام قابلة للرتق
والفتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولا وبالفتق ثانيا لا سبيل إليه إلا السمع،
والمناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة، فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال ؟ ودفع الاشكال
بعد اختيار الثاني بوجوه: أحدها أنا نثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله بسائر
المعجزات ثم نستدل بقوله، ثم نجعلهما دليلا على حصول المصالح في العالم وانتفاء
الفساد عنه. وثانيها أن نحمل الرتق والفتق على إمكانهما والعقل يدل عليه لان
الاجسام يصح عليها الاجتماع و الافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس
يستدعي مخصصا وثالثها أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك، فإنه جاء في التوراة
أن الله تعالى خلق جوهرة ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم خلق السماوات
والارض وفتق بينهما. وكان بين عبدة الاوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في
عداوة محمد صلى الله عليه وآله فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم
يقبلون قول اليهود في ذلك. ثم قال: اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على
أقوال: أحدها وذكر الوجه الاول من وجوه الطبرسي ثم قال: هذا القول يوجب أن خلق
(1) في المصدر: عن ابن عباس والضحاك وعطاء
وقتادة. (2) مجمع البيان، ج 7 ص 45. (3) في بعض النسخ: لان القوم ما رأوا الاجسمام
القابلة (*).
[14]
الارض مقدم على خلق السماء لانه تعالى لما
فصل بينهما ترك الارض حيث هي وأصعد الاجزاء السماوية، قال كعب: خلق الله السماوات
والارضين ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطهما ففتقاتبها، ثم ذكر الثاني والثالث ورجح
الثالث بقوله تعالى (والسماء ذات الرجع والارض ذات الصدع) وبقوله سبحانه (وجعلنا من
الماء كل شئ حي) ثم قال: ورابعها قول أبي مسلم الاصفهاني، قال: يجوز أن يراد
بالفتق، الايجاد والاظهار كقوله (فاطر السماوات والارض) فأخبر عن الايجاد بلفظ
الفتق، وعن الحال قبل الايجاد بلفظ الرتق. اقول: وتحقيقته أن العدم نفي محض فليس
فيه ذوات متميزة، وأعيان متبائنة بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق
فعند الوجود والتكوين يتميز بعضها عن بعض، فبهذا الطريق جعل الرتق مجازا عن العدم،
والفتق عن الوجود. وخامسها أن الليل سابق على النهار بقوله (وآية لهم الليل نسلخ
منه النهار) فكانت السماوات والارض مظلمة ففتقهما الله بإظهار النهار المبصرة
(انتهى) (1). وأقول: سيأتي في الاخبار ما يؤيد الوجه الثالث، ويومئ بعض خطب أمير
المؤمنين عليه السلام إلى الثاني كما ستعرف. وروى الكليني في الروضة عن عدة من
أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي (2)
(1) مفاتيح الغيب، ج 6 ص 144 (نقل عنه
ملخصا) (2) في المصدر: (عن الحسن بن محبوب عن أبى حمزة ثابت بن دينار الثمالى، و
أبو منصور عن أبى الربيع).. والحسن بن محبوب السراد ويقال الزراد مولى بجيلة كوفى
ثقة جليل القدر من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام وروى عن ستين رجلا من أصحاب
أبى عبد الله عليه السلام مات رحمه الله سنة (224) وكان من ابناء خمس وسبعين سنة. و
أبو حمزة الثمالى ثابت من دينار ثقة من خيار اصحابنا ومعتمديهم لقى على بن الحسين
وابا جعفر وأبا عبد الله وابا الحسن عليهم السلام وروى عنهم ومات رحمه الله سنة
(150) وكان ابن محبوب عندئذ صبيا يرضع وعلى هذا فروايته عنه إما بالوجادة أو
بالواسطة (*).
[15]
قال: سأل نافع أبا جعفر عليه السلام عن
قول الله عزوجل (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما)
قال: إن الله تبارك وتعالى أهبط (1) آدم إلى الارض وكانت السماوات رتقا لا تمطر
شيئا وكانت الارض رتقا لا تنبت شيئا، فلما تاب (2) الله عزوجل على آدم عليه السلام
أمر السماء فتقطرت بالغمام، ثم أمرها فأرخت عزالاها (3) ثم أمر الارض فأنبتت
الاشجار وأثمرت الثمار، و تفهقت بالانهار، فكأن ذلك رتقها وهذا فتقها. فقال نافع:
صدقت يا ابن رسول الله (إلى آخر الخبر) وهذا يدل على الثالث. (وجعلنا من الماء كل
شئ حي) قال الطبرسي: أي وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شئ حي، وقيل:
وخلقنا من النطفة كل مخلوق (4). والاول أصح. وروى العياشي بإسناده عن الحسين بن
علوان (5) قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن طعم الماء فقال: (6) سل تفقها ولا
تسأل تعنتا (7) طعم الماء طعم الحياة، قال الله سبحانه: (وجعلنا من الماء كل شئ
حي). وقيل: معناه و جعلنا من الماء حياة كل ذي روح ونماء كل نام فيدخل فيه الحيوان
والنبات والاشجار، عن أبي مسلم (8). (أفلا يؤمنون) أي أفلا يصدقون بالقرآن وبما
يشاهدون من الدليل و البرهان. (الرحم) قيل: خبر للذي إن جعلته مبتدأ، ولمحذوف إن
جعلته صفة
(1) في المصدر: لما أهبط. (2) في المصدر:
فلما أن تاب. (3) وفي نسخة (عزاليها) والعزالى بالالف الاخيرة والعزالى بالياء
الخفيفة جمع (العزلاء) بفتح العين المهملة وسكون الزاى وهو مصب الماء من القربة
ونحوها، وأرخت عزاليها أي أمطرت بشدة. (4) في المصدر: كل مخلوق حى، عن أبى العالية.
(5) كذا في المصدر وفي بعض النسخ (الحسن بن علوان). (6) في المصدر: فقال له. (7)
تعنته: طلب زلته ومشقته، وتعنت عليه في السؤال: سأله على وجه التلبيس عليه. (8)
مجمع البيان، ج 7، ص 45 (*).
[16]
للحي، أو بدل من المستكن في (استوى) وقرئ
بالجر صفة للحي (فاسأل به خبيرا) أي فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالما يخبرك
بحقيقته وهو الله تعالى أو جبرئيل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه. وقيل:
الضمير للرحمن، والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على الله فاسئل عنه من يخبرك من أهل
الكتاب ليعرفوا ما يرادفه في كتبهم. وعلى هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ والخبر ما
بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء.
وقيل: إنه صلة خبيرا. (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين) قال البيضاوي:
أي مقدار يومين أو بنوبتين، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون ولعل المراد
بالارض ما في جهة السفل من الاجرام البسيطة، ومن خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا
مشتركا ثم خلق لها صورا صارت بها أنواعا، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته
(وتجعلون له أندادا) ولا يصح أن يكون له ند (ذلك) الذي خلق الارض في يومين (رب
العالمين) خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها (وجعل فيها رواسي) استئناف غير
معطوف على (خلق) للفصل بما هو خارج عن الصلة (من فوقها) مرتفعة عليها ليظهر للنظار
ما فيها من وجوه الاستبصار، وتكون منافعها معرضة للطلاب (1). اقول: وقال الرازي: إذ
لو جعلت تحتها لاوهم ذلك أنها أساطين تمسكها فجعلها فوقها ليرى الانسان أن الارض
والجبال أثقال على أثقال وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ وليس ذلك إلا الله سبحانه
(2). (وبارك فيها) قال البيضاوي: أي وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات
والحيوانات (وقدر فيها أقواتها) أي أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به،
أو أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من
(1) أنوار التنزيل، ج 2، ص 384. (2)
مفاتيح الغيب، ج 7، ص 353. نقل عنه ملخصا (*).
[17]
أقطارها. وقرئ (وقسم فيها أقواتها). (في
أربعة أيام) أي في تتمة أربعة أيام كقولك سرت من البصرة إلى بغداد في عشر (1) وإلى
الكوفة في خمس عشرة (2). ولعله قال ذلك ولم يقل في يومين للاشعار باتصالهما لليومين
(3) الاولين، و التصريح على الفذلكة (4). اقول: وقد يحمل على أن المراد أربعة
أوقات، وهي التي يخرج الله فيها أقوات العالم من الناس والبهائم والطير وحشرات
الارض وما في البر والبحر من الخلق، من الثمار والنبات والشجر وما يكون فيه معاش
الحيوان كله، وهي الربيع والصيف والخريف والشتاء. ولا يخفى بعده عن السياق. (سواء)
أي استوت سواء بمعنى استواء، والجملة صفة أيام، ويدل عليه قراءة يعقوب بالجر، وقيل:
حال من الضمير في (أقواتها) أو في (فيها) وقرئ بالرفع على (هي سواء). (للسائلين)
متعلق بمحذوف تقديره: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الارض وما فيها، أو ب (مقدر)
أي قدر فيها الاقوات للطالبين. (ثم استوى إلى السماء) قصد نحوها، من قولهم (استوى
إلى مكان كذا) إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره (وهي دخان) قال البيضاوي: أي
أمر ظلماني، ولعله أراد به مادتها والاجزاء (5) المتصغرة التي ركبت منها (6). و قال
الطبرسي: قال ابن عباس: كانت بخار الارض، وقيل: معناه ثم استوى أمره إلى السماء
(7). وقال الرازي: وذكر صاحب الاثر أنه كان عرش الله على الماء
(1) في المصدر: في عشرة. (2) في المصدر:
في خمسة عشر. (3) في المصدر: باليومين. (4) أنوار التنزيل، ج 2، ص 384. (5) في
المصدر: أو الاجزاء. (6) أنوار التنزيل، ج 2، ص 385. (7) مجمع البيان، ج 9، ص 6
(*).
[18]
منذ (1) خلق السماوات والارض، فأحدث الله
في ذلك الماء سخونة فارتفع منه زبد ودخان (2) فبقي على وجه الماء، فخلق الله تعالى
فيه (3) اليبوسة وأحدث منه الارض وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السماوات.
واعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن فإن دل عليها دليل صحيح قبلت (4) وإلا
فلا، وهذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذى تزعم اليهود أنه التوراة، وفيه أنه
تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة، وهذا هو المعقول لانا (5) قد دللنا في المعقولات
على أن الظلمه ليست كيفية وجودية بل هي عبارة عن عدم النور (6) فالله سبحانه لما
خلق الاجزاء التي لا تتجزى فقبل أن يخلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور،
ثم إذ ركبها (7) وجعلها سماوات وكواكب وشمسا وقمرا وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ
صارت مستنيرة، فثبت أن تلك الاجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السماوات
والشمس والقمر كانت مظلمة فصح تسميتها بالدخان، لانه لا معنى للدخان إلا أجزاء
متفرقة غير متواصلة عديمة النور (8). (فقال لها وللارض إتيا) قال البيضاوي: أي بما
خلقت فيكما من التأثير والتأثر، وأبرزا ما أودعتكما من الاوضاع المختلفة والكائنات
المتنوعة أوائتيا في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة
أو الاخبار أو إتيان السماء بحدوثها وإتيان الارض أن تصير مدحوة، أو ليأت كل منكما
الاخرى في حدوث ما اريد توليده منكما، ويؤيده قراءة (آتيا) من المؤاتاة أي
(1) في المصدر: قبل حلق. (2) في المصدر:
أما الزبد فبقى. (3) في المصدر: منه اليبوسة. (4) في المصدر: قبل. (5) في المصدر:
لانه. (6) والدليل مذكور في المصدر. (7) في المصدر: لما ركبها. (8) مفاتيح الغيب، ج
7، ص 385 (*).
[19]
ليوافق كل واحدة منكما اختها فيما أردت
منكما (طوعا أو كرها) شئتما ذلك أو أبيتما، أو المراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع
مراده لا إثبات الطوع و الكره لهما، وهما مصدران وقعا موقع الحال. (قالتا أتينا
طائعين) أي منقادين بالذات. والاظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما
بالذات عنها و تمثيلها (1) بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله (كن فيكون) وما
قيل أنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الاول والاخير
وإنما قال (طائعين) على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله تعالى (ساجدين). وقال
الطبرسي قدس سره: قال ابن عباس: أتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وأتت
الارض بما فيها من الانهار والاشجار والثمار وليس هناك أمر بالقول حقيقة (2) ولا
جواب لذلك القول، بل أخبر (3) سبحانه عن اختراعه السماوات والارض وإنشائه لهما من
غير تعذر ولا كلفة ولا مشقة بمنزلة ما يقال (4) افعل فيفعل من غير تلبث ولا توقف
ولا تأن (5) فعبر عن ذلك بالامر والطاعة، وهو كقوله (إنما أمره إذا أراد شيئا أن
يقول له كن فيكون) وإنما قال (أتينا طائعين) ولم يقل طائعتين لان المعنى: أتينا بمن
فينا من العقلاء، فغلب حكم العقلاء (6). وقيل: إنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع
من يعقل كما قال: (وكل في فلك يسبحون) (7). (فقضيهن سبع سماوات) قال البيضاوي: أي
فخلقهن خلقا إبداعيا وأتقن
(1) في المصدر: وتمثيلهما. (2) في المصدر:
على الحقيقة. (3) في المصدر: بل أخبر الله. (4) في المصدر: ما يقال للمأمور. (5) في
المصدر: ليس لفظة (ولا تأن). (6) في المصدر: عن قطرب. (7) مجمع البيان، ج 9 ص 6
(*).
[20]
أمرهن، والضمير للسماء على المعنى (1) أو
مبهم. (وسبع سماوات) حال على الاول، وتمييز على الثاني. (في يومين) قيل: خلق
السماوات يوم الخميس والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة (وأوحى في كل سماء أمرها)
شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا، وقيل: أوحى إلى أهلها
بأوامره. (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها.
(وحفظا) أي وحفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظا. وقيل: مفعول له على المعنى،
كأنه قال: خصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظا. (ذلك تقدير العزيز العليم)
البالغ في القدرة والعلم. (وما مسنا من لغوب) قال الطبرسي: أي تعب ونصب، أكذب الله
تعالى بهذا اليهود، فانهم قالوا: استراح الله يوم السبت فلذلك لا نعمل فيه شيئا
(2). وقال الرازي في تفسيره: قال بعض المفسرين: المراد من الآية الرد على اليهود
حيث قالوا: بدأ الله خلق العالم يوم الاحد وفرغ منه في ستة أيام آخرها يوم الجمعة
واستراح يوم السبت واستوى (3) على عرشه. فقال تعالى: (وما مسنا من لغوب) رادا (4)
عليهم، والظاهر أن المراد الرد على المشرك أي ما تعبنا بالخلق الاول حتى لا نقدر
على الاعادة ثانيا وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التورية فهو إما تحريف منهم أولم
يعلموا تأويله، وذلك لان الاحد والاثنين أزمنة متميزة بعضها عن بعض فلو كان خلق
السماوات ابتداء يوم الاحد لكان الزمان متحققا قبل الاجسام، والزمان لا ينفك عن
الاجسام، فيكون قبل الاجسام (5) أجسام اخر
(1) أي كانت المناسب صيغة التثنية ولما
كان في كل منهما كثرة اعتبر جانب المعنى، و انما جمع على صيغة جمع العقلاء باعتبار
جعلهما مخاطبتين (منه). (2) مجمع البيان، ج 9، 150. (3) في المصدر: استلقى. (4) في
المصدر: ردا. (5) في المصدر: قبل خلق الاجسام (*).
[21]
فيلزم القول بقدم العالم وهو مذهب
الفلاسفة (انتهى) (1). وأقول: تعيين تلك الايام موجودة في الاخبار المعتبرة كما
ستعرف، وما توهم من لزوم قدم العالم خطاء كما عرفت سابقا أنه يمكن تصحيحه بوجوه
متعددة شئ منها لا يستلزم ذلك، وأما تعيين الايام فيمكن أن تقدر الازمنة بحيث تكون
بعد خلق الشمس وحركة الافلاك وتعيين الايام تلك الازمان الماضية موافقة لهذه الايام
الستة، بحيث إذا كانت الشمس متحركة فيها كانت تلك الايام بعينها فتأمل. (ءأنتم أشد
خلقا) قال البيضاوي: أي أصعب خلقا أم السماء ؟ ثم بين كيف خلقها وقال (2): (بناها)
ثم بين البناء فقال: (رفع سمكها) أي جعل مقدار ارتفاعها من الارض أو ثخنها الذاهب
في العلو رفيعا (فسويها) أي فعد لها، أو جعلها (3) مستوية، أو فتممها بما به يتم
(4) كما لها من الكواكب والتداوير وغيرها، (5) من قولهم (سوى فلان أمره) إذا أصلحه
(وأغطش ليلها) أي أظلمه منقول من (غطش الليل) إذا أظلم. وأضاف (6) إليها لانه يحدث
بحركتها (وأخرج ضحيها) أي وأبرز ضوء شمسها كقوله تعالى (والشمس وضحيها) يريد النهار
(والارض بعد ذلك دحيها) بسطها ومهدها للسكني، (أخرج منها ماءها) بتفجير العيون
(ومرعيها) أي ورعيها، وهو في الاصل لمواضع الرعي (7). وتجريد الجملة عن العاطف
لانها حال بإضمار قد، أو بيان للدحو (والجبال أرسيها) أي أثبتها (متاعا لكم
ولانعامكم) تمتيعا لكم ولمواشيكم (8).
(1) مفاتيح الغيب، ج 7 ص 644. (2) في
المصدر: فقال. (3) في بعض النسخ: فجعلها. (4) في المصدر: بما يتم به. (5) في
المصدر: وغيرهما. (6) في المصدر: وإنما أضاف. (7) في المصدر: لموضع الرعى. (8)
انوار التنزيل، ج 2: ص 644 (*).
[22]
(الذي خلق فسوى) أي خلق كل شئ فسوى خلقه
بأن جعل له ما به يتأتي كما له ويتم معاشه (والذي قدر) أي قدر أجناس الاشياء
وأنواعها و أشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها (فهدى) فوجهه إلى أفعاله
طبعا أو اختيارا بخلق الميول والالهامات، ونصب الدلائل وإنزال الآيات. * (تحقيق في
دفع شبهة) * اعلم أن بعض الملاحدة أوردوا تناقضا بين آيات سورتي البقرة والسجدة و
بين آيات سورة النازعات، حيث زعموا أن الاولة تدل على تقدم خلق الارض على السماء
والاخيرة على العكس. واجيب عنه بوجوه: احدها: أن خلق الارض قبل السماء إلا أن دحوها
متأخر عن خلق السماء. واستشكل بوجهين: الاول: أن الارض جسم عظيم فامتنع انفكاك
خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة أيضا
متأخرا عن خلق السماء. والثانى: أن الآية الاولى تدل على أن خلق الارض وخلق كل ما
فيها مقدم على خلق السماء، وخلق الاشياء في الارض لا يكون إلا بعد ما كانت مدحوة.
واجيب: عن الاول بأنالا نسلم امتناع انفكاك خلق الارض عن دحوها والمناقشة في إطلاق
خلق الارض على إيجادها غير مدحوة مناقشة لفظية. وعر الثاني بأن قوله تعالى (والارض
بعد ذلك دحيها) يقتضي تقدم خلق السماء على دحو الأرض، ولا يقتضي تقدم تسوية السماء
على دحو الارض، فجاز أن تكون تسوية السماء متأخرة عن دحو الأرض فيكون خلق الارض قبل
السماء وخلق السماء قبل دحو الارض، ودحو الارض قبل تسوية السماء، فارتفع التنافي.
ويرد عليه أن الآية الثالثة تقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض، والثانية تقتضي
تقدم خلق الارض بما فيها على تسويتها سبع سماوات، وخلق ما في الارض قبل دحوها
مستبعد. ويمكن أن يجاب بأن المراد بالخلق في الاولى التقدير وهو شائع في العرف
واللغة، أو بأن المراد بخلق ما في الارض خلق موادها كما أن خلق
[23]
الارض قبل دحوها عبارة عن مثل ذلك فتكون
تسوية السماء متقدمة على دحو الارض كما هو ظاهر الآية الثالثة، أو بأن يفرق بين
تسويتها المذكورة في الثالثة وبين تسويتها سبع سماوات كما في الاولى، وحينئذ
فتسويتها مطلقا متقدمة على دحو الارض، وتسويتها سبعا متأخرة عنه، ولعل هذا أوفق في
الجمع، أو بأن يقال: الفاء في قوله تعالى (فسويها) بمعنى ثم، والمشار إليه بذلك في
قوله تعالى (والارض بعد ذلك دحيها) هو بناء السماء وخلقها لا مجموع ما ذكر قبله، أو
بأن يقال كلمة (ثم) في الاولى للترتيب الذكري، وتقديم خلق ما في الارض في معرض
الامتنان لمزيد الاختصاص، فيكون خلق ما في الارض بعد دحوها كما هو الظاهر، وتسوية
السماء متقدمة عليه وعلى دحو الارض كما هو ظاهر الآية الثالثة. لكن هذا لا يخلو من
نوع (1) منافرة لظاهر الآية الثانية، وقد أوردنا بعض التوجيهات لها في شرح بعض
الاخبار الآتية. وقال البيضاوي: كلمة (ثم) في آيتي البقرة والسجدة لتفاوت (2) ما
بين الخلقين، وفضل خلق السماء على خلق الارض كقوله تعالى (ثم كان من الذين آمنوا)
لا للتراخي في المدة (3) فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى (والارض بعد ذلك دحيها) فإنه
يدل على تأخر دحو الارض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها، إلا أن
يستأنف بدحيها مقدر النصب الارض فعلا آخر دل عليه (أنتم أشد خلقا) مثل: تعرف الارض
وتدبر أمرها بعد ذلك. لكنه خلاف الظاهر (4) (انتهى). والوجه الثاني: مما قد اجيب به
عن أصل الاشكال أن يقال: كلمة (بعد) في الآية الثالثة ليست للتأخر الزماني، إنما هو
على جهة تعداد النعم والاذكار
(1) في بعض النسخ: عن نوع. (2) في المصدر:
لعله لتفاوت. (3) في المصدر: في الوقت. (4) أنوار التنزيل ج، 1 ص 62 (*).
[24]
لها، كما يقول القائل: أليس قد أعطيتك
وفعلت بك كذا وكذا وبعد ذلك خلطتك ؟ وربما يكون بعض ما تقدم في اللفظ متأخرا بحسب
الزمان لانه لم يكن الغرض الاخبار عن الاوقات والازمنة بل المراد ذكر النعم
والتنبية عليها وربما اقتضت الحال إبراد الكلام على هذا الوجه. والثالث: ما ذكره
الرازي، وهو أن لا يكون معنى (دحيها) مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطا
هيئات لنبات الاقوات، وهذا هو الذي بينه بقوله (أخرج منها ماءها ومرعيها) وذلك لان
(1) الاستعداد لا يحصل للارض إلا بعد وجود السماء، فإن الارض كالام والسماء كالاب،
وما لم يحصلا لم يتولد أولاد المعادن والنبات والحيوان. والرابع: ما ذكره أيضا وهو
أن يكون قوله (والارض بعد ذلك) أي مع ذلك، كقوله (عتل بعد ذلك زنيم) أي مع ذلك،
وكقولك للرجل: أنت كذا وكذا، ثم أنت بعدها كذا. لا تريد (2) الترتيب، وقال تعالى
(فك رقبة) إلى قوله (ثم كان من الذين آمنوا.) والمعنى: وكان وهذا تقرير ما نقل عن
ابن عباس وغيره قالوا في قوله (والارض بعد ذلك دحيها): أي مع مياده دحيها (3).
اقول: وهذا قريب من الثاني. ثم المشهور أن خلق الارض قبل خلق السماء وهو الاظهر،
وقيل بالعكس، نقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الارض،
وتاويل قوله (ثم استوى إلى السماء): ثم كان قد استوى وهي دخان قبل أن يخلق الارض.
فاضمر فيه كان كما قال تعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) معناه: إن يكن
سرق. وقال الرازي: المختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الارض
(1) في المصدر: لان هذا الاستعداد. (2) في
المصدر: لا تريد به الترتيب. (3) مفاتيح الغيب، ج 8، ص 465 (نقل عنه ملخصا) (*).
[25]
بقي أن يقال: كيف تأويل هذه الآية يعني
آية السجدة ؟ فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين والايجاد، والدليل عليه قوله تعالى
(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فلو كان الخلق
عبارة عن الايجاد و التكوين لصار معنى الآية: أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون،
وهذا محال لانه يلزم أنه تعالى قد قال لشئ وجد: كن وإذا ثبت هذا فنقول: قوله (خلق
الارض في يومين) معناه أنه قضى بحدوثها في يومين وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة
كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشئ في الحال، فقضاء الله بحدوث الارض في يومين مقدم على
إحداث السماء ولا يلزم منه تقدم إحداث الارض على إحداث السماء (1) (انتهى) ولا يخفى
ما فيه وستطلع على حقيقة الامر في ضمن شرح الاخبار إن شاء الله تعالى. * (الاخبار)
* 1 نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: المعروف (2) من غير رؤية
والخالق من غير روية، الذي لم يزل قائما دائما، إذ لاسماء ذات أبراج، ولا حجب ذات
أرتاج، ولا ليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج، ولا فج ذو اعوجاج ولا أرض ذات
مهاد، ولا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق ووارثه، وإله الخلق ورازقه (3). بيان: من
غير روية أي تفكر، لانه يستلزم الجهل السابق، وحدوث أمر فيه لم يكن، والاستكمال بعد
النقص (الذي لم يزل قائما) أي بذاته أو بأحوال الخلق، وقد مر مرارا (دائما) أي
باقيا بذاته من غير علة (ذات أبراج) أي بروج أو كواكب نيرة. و (الحجب) جمع الحجاب
والمراد هنا ما سيأتي من الحجب النورانية التي تحت العرش أو السماوات عبر عنها
بلفظين، و (الارتاج) في بعض
(1) مفاتيح الغيب، ج 7، ص 358 (نقل عنه
ملخصا). (2) في المصدر: الحمد لله المعروف. (3) نهج البلاغة: 158 (*).
[26]
النسخ بكسر الهمزة مصدر (أرتج الباب) أي
أغلقه، وفي بعضها بالفتح جمع (رتج) بالتحريك، أو (رتاج) بالكسر. والاول الباب
العظيم، والثاني الباب المغلق أو الذي عليه باب صغير، و (الداجي) المظلم، و
(الساجي) الساكن، و (الفجاج) جمع (الفج) بالفتح وهو الطريق الواسع بين الجبلين، و
(المهاد) بالكسر: الفراش. واعتمدت على الشئ: اتكأت عليه، وكل حي يعتمد على رجله في
المشي وعلى غيرها، ويمكن أن يراد به القوة والتصرف. وأبدعت الشئ، و ابتدعته: أي
استخرجته وأحدثته، و (الابتداع) الخلق على غير مثال، و (وارثه) أي الباقي بعد
فنائهم، والمالك لما ملكوا ظاهرا، ولا يخفي صراحته في حدوث العالم. 2 النهج: قال
عليه السلام: الاول قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر (1). بيان: الغرض إثبات الاولية
والآخرية الحقيقيتين له سبحانه، وظاهر الاول حدوث ما سواه، واستدل بالثاني على ما
ذهب إليه كثير من المتكلمين من انعدام العالم بأسره قبل قيام الساعة، ويمكن أن يكون
الآخرية باعتبار أن كل ما عداه في التغير والتحول من حال إلى حال، كما ورد في
الرواية، وقيل: أوليته بحسب الخارج، وآخريته بحسب الذهن، أو الآخر في سلسلة
الافتقار لاحتياج الكل إليه سبحانه (2).
(1) نهج البلاغة: 194. (2) الاولية
والاخرية وصفان اضافيان، فإذا قويس شئ إلى آخر وجد بعده وصف بالاولية، وإذا قويس
إلى شئ وجد قبله وصف بالاخرية. وللتقدم والتأخر أقسام مذكورة في محلها وقد اختلف
القوم في تقدم الواجب على الممكنات، فقيل: إن تقدمه زماني، و قيل: على، وقيل: سرمدي
إلى غير ذلك. لكن التقدم الزمانى بمعناه المصطلح وهو وقع المتقدم مقارنا لجزء من
الزمان متقدم على الجزء الذى وقع المتأخر مقارنا له مما يتسحيل في حق الحق سبحانه
وتقدس لعاليه عن مقارنة الزمان ومقايسته بالحدثان. على أن يستلزم قدم الزمان وهو كر
على ما فرمنه. وأما تفسير التقدم الزمانى بأن الواجب كان في زمان لم يكن شئ،
وتتميمه بأن=
[27]
3 - النهج: قال عليه السلام: الحمد لله
الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته (1) ومنه (2) قال عليه السلام:
الحمد لله خالق العباد، وساطح المهاد، ومسيل الوهاد، ومخصب النجاد، ليس لاوليته
ابتداء، ولا لازليته انقضاء، هو الاول لم يزل، والباقي بلا أجل إلى قوله عليه
السلام قبل كل غاية ومدة، وكل إحصاء وعدة إلى قوله عليه السلام لم يخلق الاشياء من
اصول أزلية، ولا من أوائل أبدية (3) بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ما صور فأحسن
صورته (4).
= الزمان أمر موهوم منتزع عن ذاته، مما لا
يجدى شيئا ولا يسمن ولا يغنى من جوع. لان الزمان إن كان أمرا موهوما فلا يمكن
تأثيره في الواقعيات وإناطة البحث الحقيقي به، غاية الامر تسميته تعالى بالقديم
الزمانى تسمية ليس وراءه حقيقه ولا تجاوز حد الاسم والوهم وإن كان أمرا واقعيا فلا
يمكن انتزاعه من ذات البارئ سبحانه وإلا لتطرق التغير والحدوث إليها. وأما آخرية
الواجب فقيل بالاخرية الزمانة بمعنى أنه يفتى كل شئ إلا الواجب تعالى فيكون زمان
ليس فيه غيره سبحانه ولما كان ظاهر هذا القول مخالفا لظواهر الكتاب والسنة من أبدية
نشأة الاخرة وخلود أهلها فسر بفناء الموجودات قبل قيام الساعة ! ولقائل أن يقول: هل
يكون عند فناء جميع الموجودات زمان أولا ؟ فان كان فلا يكون الواجب آخرا بالنسبة
إلى نفس الزمان، وإلا فلا يكون آخرا زمانيا، على أنه تعالى يكون على هذا آخرا
بالنسبة إلى الموجودات قبل قيام الساعة لا بعده وله توال فاسدة اخرى. وحق القول أن
الواجب تعالى محيط بجميع العوالم، مهيمن على كافة الموجودات، و يكون وجوده أوسع
وأرفع من كل الوجودات، بل هي بأسرها ظل وجوده وشعاع نوره تبارك وتعالى وليس لها
استقلال أصلا، فليس بين الوجودات الامكانية وبين وجوده السرمدي الواجب المحيط الغير
المتناهى بل فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى نسبة. فأين المتناهى من غير المتناهى ؟
وما للتراب ورب الارباب ؟ ! فكلما قويس وجود إمكانى إلى وجوده المتعالى كان من بين
يديه ومن خليفة، ومن فوقه ومن تحته، ومن كل جهة من جهاته، وكل شأن من شؤونه محدودا
محاطا بوجوده تبارك و تعالى. فإذا لوحظ الجهة السابقة على الموجودات كان سبحانه هو
الاول، وإذا لوحظ الجهة اللاحقة كان هو الاخر، وإذا لوحظ ظاهرها كان هو الباطن،
وإذا لوحظ باطنها كان هو الظاهر (هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم)
(ألا إنه بكل شئ محيط). (1) نهج البلاغة، ج 1، ص 274. (2) في بعض النسخ: وفي خطبة.
(3) سيأتي من المؤلف في بيان الخطبة أن في بعض النسخ (بدية). (4) نهج البلاغة، ج 1،
ص 300 (*).
[28]
بيان: (الساطح) الباسط، و (المسيل)
المجري، و (الوهاد) جمع (وهدة) وهي الارض المنخفضة، وأخصب الله الارض أي جعلها
كثيرة العشب والكلاء، و (النجاد) بالكسر جمع (نجد) بالفتح وهو المرتفع من الارض
(ولا لازليته انقضاء) أي في جانب الابد، أي أزليته أزلية مقرونة بالابدية، ويمكن أن
يكون إشارة إلى أن الازلية تستلزم الابدية إذ ما ثبت قدمه امتنع عدمه، أو في جانب
الازل إذا رجع الوهم إليه. ولا يخفى دلالة تلك الفقرات على اختصاص الازلية به و
حدوث ما سواه، إذ ذكر الصفات المشتركة بينه وبين خلقه لا يناسب مقام المدح. ثم صرح
عليه السلام بذلك بقوله (لم يخلق الاشياء من أصول أزلية) ردا على ما زعمته الحكماء
من الهيولى القديمة ونحو ذلك و (الابد) بالتحريك الدهر، و (الدائم) و (القديم)
الازلي كما ذكره في القاموس وقيل: الزمان الطويل الذي ليس بمحدود، والظاهر أنه
تأكيد وتفسير للفقرة الاولى، ويحتمل أن يكون المراد الامثلة التي يخلق الله تعالى
الاشياء على حذوها. وفي بعض النسخ (بدية) والبدي كرضي الاول (من أوائل) سابقة على
إيجادها (1).
(1) الازلية والقدم مترادفان، ومعناهما
كون الموجود بحيث لا يسبقه عدم، فان أضيف إلى العدم الذاتي سمى قدما ذاتيا، وإن
اضيف إلى العدم الزمانى سمى قدما زمانيا وحيث إن الزمان مقدار الحركة، والحركة تختص
بالاجسام، فإذا لم يكن جسم لم يكن زمان، وكل شيئ غير جسماني فانه خارج عن حيطة
الزمان البتة، فلو وجد شئ مجرد عن المادة كان لا محالة غير محدود بالزمان. وحيث إن
الجسم لا ينفك عن الحركة بناء على القول بالحركة الجوهرية فكلما فرض جسم كان حادثا
زمانيا. والواجب تعالى قديم أزلى ذاتا بمعنى كون الوجود عين ذاته واستحالة العدم
عليه بوجه وزمانا بمعنى كونه خارجا عن ظرف الزمان ومنزها عن مقارنته لا بمعنى كونه
مقارنا لزمان غير متناه من جهة البدء وأما ما سواه فعلى القول بوجود المجردات
المحضة والموجودات النورية العالية فانها أيضا غير مقيدة بالزمان لكنها لا تشارك
الواجب تعالى في الازلية الذاتية. وأما المادة أعنى الهيولى الاولى فليست من
الموجودات المتحصلة، وتحصلها إنما يكون بالصور، ولا شئ من الصور الجسمانية بقديم
لما ذكرنا. نعم على القول بقدم الصور الفلكية كما يراه بعض الفلاسفة تكون مادتها
أيضا قديمة لكنها على كل حال ليست موجودة قيل الاشياء ولا أصلا أزليا للكائنات (*).
[29]
4 شرح النهج للكيدري: ورد في الخبر أن
الله تعالى لما أراد خلق السماء والارض خلق جوهرا أخضر، ثم ذوبه فصار ماء مضطربا،
ثم أخرج منه بخارا كالدخان فخلق (1) منه السماء كما قال (ثم استوى إلى السماء وهي
دخان) ثم فتق تلك السماء فجعلها سبعا، ثم جعل من ذلك الماء زبدا فخلق منه أرض مكة،
ثم بسط الارض كلها من تحت الكعبة ولذلك تسمى مكة ام القرى لانها أصل جميع الارض، ثم
شق من تلك الارض سبع أرضين وجعل بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمأة عام، وكذلك بين كل
أرض وأرض، وكذلك بين هذه السماء وهذه الارض، ثم بعث ملكا من تحت العرش حتى نقل
الارض على منكبه وعنقه ومد اليدين فبلغت إحداهما إلى المشرق والاخرى إلى المغرب، ثم
بعث لقرار قدم ذلك الملك بقرة من الجنة كان لها أربعون ألف قرن وأربعون ألف رجل
ويد، و بعث ياقوتا من الفردوس الاعلى حتى يوضع بين سنام تلك البقرة واذنها، فاستقر
قدما ذلك الملك على السنام والياقوت، وإن قرون تلك البقرة لمرتفعة من أقطار الارض
إلى تحت العرش. وإن مناخر انوفها بإزاء الارض فإذا تنفست البقرة مد البحر، وإذا
قبضت أنفاسها جزر البحر، من ذلك، ثم خلق لقرار قوائم تلك البقرة صخرة، وهي التي حكى
الله عن لقمان في قوله (فتكن في صخرة) فيزيد مقدار سعة تلك الصخرة سبع مرات على
مقدار سبع السماوات وسبع أرضين، ثم خلق حوتا وهو الذي أقسم الله فقال: (ن والقلم)
والنون الحوت، وأمر تعالى بوضع تلك الصخرة على ظهر ذلك الحوت وجعل ذلك الحوت في
الماء وأمسك الماء على الريح ويحفظ الله الريح بقدرته. 5 النهج والاحتجاج: في خطبة
لامير المؤمنين عليه السلام: الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده إلى
قوله عليه السلام مستشهد بحدوث الاشياء على أزليته (2).
(1) في بعض النسخ: وخلق. (2) نهج البلاغة،
ج 1، ص 350. الاحتجاج، ص 107 (*).
[30]
6 - وفي خطبة اخرى مشهورة: لا نصحبه
الاوقات، ولا ترفده (1) الادوات سبق الاوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله
إلى قوله عليه السلام لا يجري عليه السكون والحركة وكيف يجري عليه ما هو أجراه،
ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه ؟ إذا التفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه،
ولامتنع من الازل معناه إلى قوله عليه السلام يقول لما (2) أراد كونه: كن، فيكون،
لا بصوت يقرع، ولانداء (3) يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن
من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري
عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل، ولاله عليها فضل فيستوي الصانع
والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع، خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم
يستعن على خلقها بأحد من خلقه، وأنشأ الارض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير
قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم وحصنها من الاود والاعوجاج، ومنعها من
التهافت والانفراج. أرسى أوتادها وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم
يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه إلى قوله عليه السلام هو المنفي لها بعد وجودها حتى
يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتدائها بأعجب من إنشائها واختراعها
إلى قوله عليه السلام وإنه (4) سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان
قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها. بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان عدمت عند
ذلك الآجال والاوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار، الذي إليه
مصير جميع الامور، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها،
ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها، لم يتكاءده صنع شئ
(1) في بعض النسخ، ولا تردفه. (2) في
المصدر: لمن أراد. (3) في المصدر: بنداء. (4) في المصدر: وإن الله (*).
[31]
منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما برأه
وخلقه (1)، ولم يكونها لتشديد سلطان ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها
على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا
لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد
تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ
منها عليه، لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه
وأمسكها بأمره، و أتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا
استعانة بشئ منها عليها، ولا لا نصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل
وعمى إلى علم (2) والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز
وقدرة (3). ايضاح: (الدال على قدمه بحدوث خلقه) فيه وفيما بعده دلالة على أن علة
الفاقة إلى المؤثر الحدوث، وأنه لا يعقل التأثير في الازلي القديم (4). وكذا
(1) في المصدر: ما خلقه وبرأه. (2) في
المصدر: إلى حال علم. (3) نهج البلاغة: ج 1، ص 354. (4) الحدوث والقدم قد يستعملان
بمعنى المسبوقية بالعدم الذاتي ومقابلها، وقد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم
الزمانى ومقابلها فان كان المراد بهما في كلامه عليه السلام المعنى الاول كان
المعنى أن العالم لمكان إمكانه يدل على وجود الواجب. وان كان المراد بالحدوث الحدوث
الزمانى وبالقدم، القدم الذاتي كان المعنى أن الحدوث الزمانى في الزمانيات دليل على
وجود الواجب، وذلك لان الحدوث تغير والتغير يختص بالممكن والممكن يحتاج إلى الواجب،
وايضا الحادث مسبوق بالعدم وكل ما كان كذلك أمكن عدمه فاحتاج في الوجود إلى الواجب،
وإن كان المراد بهما الحدوث والقدم الزمانيين كان المعنى أن الحدوث الزمانى في
الزمانيات يدل على كون الواجب قديما غير مقيد بالزمان وذلك لان الحدوث نقص ومحدودية
ووجود الواجب تام وفوق التمام فلا يتصف به. وإن كان المراد بالحدوث، الحدوث الذاتي
وبالقدم، القدم الزمانى كان المعنى أن امكان الخلق يدل على قدم الواجب وعدم تقيده
بالزمان لكنه في غاية البعد وعلى الاولين فكلامه عليه السلام ناظر إلى إثبات الواجب
وعلى الاخرين=
[32]
قوله (مستشهد بحدوث الاشياء على أزليته).
(لا تصحبه الاوقات) يحتمل وجهين: أحدهما نفي المصاحبة على الدوام بل وجوده سابق على
الازمان كالزمانيات (1) كما قال: (سبق الاوقات كونه) و ثانيهما نفي الزمانية عنه
سبحانه مطلقا كما ذهب إليه الحكماء من أن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير ولا يكون
فيما لا تغير فيه أصلا، فالمراد بسبق كونه على الاوقات عدم لحوقها له وامتناع
مقارنته سبحانه لها، وربما يؤيد ذلك بقوله عليه السلام (وكيف يجري عليه ما هو أجراه
؟) فإنه عليه السلام استدل على عدم جريان السكون والحركة عليه بأنه موجدهما فلا
يكونان من صفاته الكمالية، لان الفعل لا يكون كمالا للفاعل واتصافه بهما لا على وجه
الكمال يوجب التغير أو النقص وهذا جار في الزمان أيضا. وكذا قوله (ويعود فيه ما هو
أبداه) أي أظهره، فقيل: المعنى أنه سبحانه أظهر الحركة والسكون فكانا متأخرين عنه
ذاتا، فلو كانا من صفاته لزم أن يعود المتأخر ويصير متقدما لان صفاته سبحانه عين
ذاته فلا يجوز خلوه عنها في مرتبة الاظهار والايجاد، (ويحدث فيه ما هو أحدثه) لان
الشئ لا يكون فاعلا وقابلا لشئ واحد، أو لما مر من لزوم الاستكمال بغيره والنقص في
ذاته.
= (1) فناظر إلى إثبات قدمه وعلى كل حال
فلا يستفاد من كلامه عليه السلام أن ما يحتاج إلى العلة ينحصر في الحادث الزمانى
بحيث لو فرض ممكن غير حادث زمانا لم يحتج إلى الواجب فتأمل. وأما تحقيق القول في أن
ملاك الاحتياج إلى العلة هل هو الحدوث أو الامكان فله محل آخر. وأما النكتة في جعله
عليه السلام (الدال) صفة له سبحانه لا لخلقه مع أن الظاهر أن الخلق يدل بحدوثه على
قدم الواجب فهى أن الذى يدل الناس إلى الحق حقيقة هو الحق سبحانه كما في الدعاء
المأثور (وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك) ويدل على ذلك روايات كثيرة و أدعية ماثورة
ووجوه عقلية يضيق المجال عن ذكرها. (1) يعنى أن الزمانيات تصحب الزمان مادامت
موجودة لكن وجود الواجب غير مقارن للزمان دائما، لانه تعالى كان موجودا ولم يكن
زمان فلما خلق الزمان صار مقارنا له، وأما الحكماء فينفون مقارنته سبحانه للزمان
مطلقا، لان الزمان أمر تدريجي لا يقارنه إلا ما شأنه الحركة والتغير وهو الجسم لا
غير، ودلالة كلامه عليه السلام على مقالتهم لا غبار عليه (*).
[33]
(إذا لتفاوتت داته) أي حصل الاختلاف
والتغير في ذاته (ولتجزأ كنهه) أي كانت حقيقته ذات أجزاء وأبعاض، لان الحركة
والسكون مستلزمان للتحيز المستلزم للجسمية، أو لكان فيه ما به بالقوة وما به بالفعل
(ولا متنع من الازل معناه) أي ذاته المقصودة من أسمائه الحسنى، والامتناع من الازل
للجسمية وحدوث ما لا ينفك عن الحركة والسكون (لا بصوت يقرع) أي يقرع الاسماع،
والقرع الدق، وفي بعض النسخ على بناء المجهول أي يحصل من قرع شئ. (ومثله) أي أقامه،
وقيل: البارئ تعالى مثل القرآن لجبرئيل عليه السلام بالكتابة في اللوح، ويقال
(مثلته بين يدي) أي أحضرته، فلما كان الله تعالى فعل القرآن واضحا بينا كأن قد مثله
للمكلفين انتهى والظاهر أن المراد أن قوله (كن فيكون) ليس المراد به الكلام الحقيقي
الذي له صوت بل كناية عن تعلق الارادة وتمثيل لحول الاشياء بمحض إرادته بلا تأخر
ولا توقف على أمر. (ولو كان قديما لكان إلها ثانيا) هذا صريح في أن الامكان لا
يجامع القدم وأن الايجاد إنما يكون لما هو مسبوق بالعدم (1)، فالقول بتعدد القدماء
مع القول بإمكان بعضها قول بالنقيضين (فتجري) على المعلوم (2) وفي بعض النسخ على
المجهول. (عليه الصفات المحدثات) في أكثر النسخ (الصفات) معرفة باللام، فالمحدثات
صفة له وفي بعضها بدون اللام على الاضافة وهو أنسب، أي لو كان محدثا لجرت عليه صفات
الاجسام المحدثة فلم يكن بينه وبينها فرق. و (الفصل) القطع، والحاجز بين الشيئين، و
(المبتدع) في بعض النسخ على صيغة الفاعل، وفي بعضها على صيغة المفعول، فعلى الاول
(البديع) بمعنى المبدع على بناء المفعول، وعلى الثاني بمعنى (المبدع) على بناء
الفاعل. (على غير مثال خلا) أي مضى وسبق (من غير اشتغال) أي لم يشغله إمساكها
(1) كلامه عليه السلام صريح في أن القدم
يلازم الالوهية ولا يجامع الامكان، لكنه ليس بصريح في أن المراد به القدم الزمانى
فان كانت هناك قرينة عقلية وجب حمله على القدم الذاتي. (2) يعنى أن لفظة (تجرى) في
كلامه على صيغة المعلوم أي المبنى للفاعل (*).
[34]
عن غيره من الامور (وأرساها) أي أثبتها
(على غير قرار) أي مقر يتمكن عليه بل قامت بأمره لا على شئ (بغير قوائم) أي لا
كدابة تقوم بقوائمها. و (الدعامة) بالكسر: عماد البيت الذي يقوم عليه. وحصنه تحصينا
أي جعله منيعا. و (الاود) بالتحريك: الاعوجاج، والعطف للتفسير. و (التهافت) التساقط
قطعة قطعة (أوتادها) أي جبالها التي هي للارض بمنزلة الاوتاد (وضرب أسدادها) السد
بالفتح و بالضم الجبل والحاجز بين الشيئين، وقيل: بالضم ما كان مخلوقا لله تعالى
وبالفتح ما كان من فعلنا. وضرب الاسداد نصبها، يقال: ضربت الخيمة أي نصبتها، أو
تعيينها كضرب الخراج، ولعل المعنى خلق الجبال فيها والانهار التي هي كالحدود لها
ليتميز بعضها عن بعض على حسب اقتضاء الحكمة الكاملة. وقال الجوهري: السد أيضا واحد
السدود وهي السحائب السود، عن أبي زيد. (واستقاض عيونها) أي جعلها فائضة جارية (وخد
أوديتها) أي شقها ومنه (الاخدود) أي الحفرات المستطيلة في الارض (حتى يصير موجودها
كمفقودها) لعل المراد بالمفقود ما لم يوجد أصلا أي حتى يصير كأن لم يكن، ويحتمل أن
تكون الكاف زائدة. وقوله عليه السلام (كما كان قبل ابتدائها) إلى آخر الكلام صريح
في حدوث ما سوى الله تعالى، وظاهره نفي الزمان أيضا قبل العالم، وعدم زمانيته
سبحانه إلى أن يحمل على الازمنة المعينة من الليالي والايام والشهور والسنين و يدل
على فناء جميع أجزاء الدنيا بعد الوجود. وهذا أيضا ينافي القدم لانهم أطبقوا علم أن
ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وأقاموا عليه البراهين العقلية. (لم يتكاده) في أكثر النسخ
على صيغة التفاعل (1) وفي بعضها على صيغة النفعل (2)، وكلاهما بمعنى نفي المشقة.
وفي بعض النسخ (لم يتكاره) على صيغة التفاعل من الكره، يقال: فعل الامر على تكره
وتكاره أي على تسخط وعدم الرضا به. والغرض أنه سبحانه لم يكن مجبورا مكرها في خلق
الاشياء.
= (1) أي بالالف وتشديد الدال. (2) أي
بالهمزة المشددة وتخفيف الدال (*).
[35]
وآده الامر يؤده: أثقله و (برأه) أي خلقه،
و (تشديد السلطان) إحكام السلطنة وحفظها عن تطرق الخلل فيها، و (الند) بالكسر:
المثل، قالوا: ولا يكون الند إلا مخالفا. و (المكاثرة) المغالبة بالكثرة، و (الضد)
بالكسر: النظير والكفو، وقيل، مثل الشئ وخلافه، وهو من الاضداد. (والثور) بالفتح:
الهيجان والوثب، وثاوره أي واثبه، و (الشرك) بالكسر الاسم من شركته كعلمت في البيع
والميراث شركة. وفي النسخ (في شركة) بالتاء موضع الضمير. (والاستئناس) اتخاذ الانيس
ضد الاستيحاش، (والسأم) بالتحريك الملال، و (التصريف) التغيير وتحويل الشئ من حال
إلى حال ومن وجه إلى وجه، (والثقل) بالكسر كما في بعض النسخ وكعنب كما في بعضها: ضد
الخفة. و (لم يمله) على صيغة الافعال أي لم يجعله سئما، وفي بعض النسخ (ولا يمله).
وذكر السرعة لان الافناء لا يستدعي زمانا طويلا إذا كان عن قدرة كاملة، أو لانه إذا
كان عن ملالة من البقاء يكون بسرعة. و (أتقنها) أحكمها، و (الالتماس) الطلب،
والمراد طلب علم مجهول. و (الضعة) بالفتح كما في النسخ وبالكسر: انحطاط الدرجة ضد
الرفعة، والضمير في قوله عليه السلام (يعيدها) راجع إلى الدنيا كالضمائر السابقة،
وجوز بعض شارحي النهج عودها إلى (الامور) في قوله عليه السلام (إليه مصير جميع
الامور) وعلى أي حال ظاهره انعدام جميع المخلوقات حتى الارواح والملائكة ثم عودها
فيدل على جواز إعادة المعدوم وقد سبق الكلام فيه في المجلد الثالث. 7 - التوحيد
والعيون: عن محمد بن علي ما جيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أبي سمينة (1) عن
محمد بن عبد الله الخراساني عن الرضا عليه السلام قال: هو أين
(1) هو محمد بن على الصيرفى الكوفى ضعيف
مرمى بالكذب وفساد الاعتقاد، والظاهر اتحاده مع محمد بن على بن إبراهيم بن موسى أبى
جعفر القرشى ومحمد بن على بن إبراهيم الكوفى كما يؤيده تتبع الاسانيد، وإن كان
تكرار العنوان في كتب الرجال ربما يوهم التعدد (*).
[36]
الاين، كان ولا أين، وهو كيف الكيف، كان
ولا كيف (1) (الخبر). 8 الاحتجاج: عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن
ادخله إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته فأذن له، فدخل وسأله عن مسائل،
فكان فيما سأله: أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى وساق الكلام إلى أن
قال: فما تقول في الكتب، فقال: التوراة والانجيل والزبور والفرقان وكل كتاب انزل
كان كلام الله أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة، وهي غير الله. فقال أبو
قرة: فهل يفنى ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: أجمع المسلمون على أن ما سوى الله
فان، وما سوى الله فعل الله، والتوراة والانجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم
تسمع الناس يقولون: رب القرآن، وإن القرآن يقول يوم القيامة: يا رب هذا فلان وهو
أعرف به قد أظمأت نهاره وأسهرت ليله فشفعني فيه ؟ و كذلك التوراة والانجيل والزبور
كلها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شئ هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن
فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم ولا واحد، وأن الكلام لم يزل معه وليس له بدء وليس
بإله (2). بيان: (وليس له بدء) أي ليس للكلام علة، لان القديم لا يكون مصنوعا (وليس
بإله) أي والحال أنه ليس بإله فكيف لم يحتج إلى الصانع ؟ أو الصانع يلزم أن لا يكون
إلها لوجود الشريك معه في القدم. وفي بعض النسخ (وليس بإله له) أي يلزم أن لا يكون
الله إلها للكلام لكونه معه دائما. 9 المهج: بإسناده، عن أحمد بن محمد بن غالب، عن
عبد الله بن أبي حبيبة وخليل بن سالم، عن الحارث بن عمير، عن جعفر بن محمد، عن
آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله هذا
الدعاء، وذكر له فضلا كثيرا: الحمد لله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين،
المدبر بلا وزير، ولا خلق من عباده يستشير، الاول غير مصروف، والباقي بعد فناء
الخلق، العظيم الربوبية، نور
(1) العيون: ص 131، ح 28، التوحيد، ص 178،
ح 3. (2) الاحتجاج، ص 220، احتجاج أبى الحسن الرضا عليه السلام ابا قرة المحدث (*).
[37]
السماوات والارضين، وفاطرهما ومبتدعهما،
بغير عمد خلقهما، فاستقرت الارضون بأوتادها فوق الماء، ثم علا ربنا في السماوات
العلى، الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الارض، وما بينهما وما تحت
الثرى إلى قوله أنت الله لا إله إلا أنت، كنت إذ لم تكن سماء مبنية، ولا أرض مدحية،
ولا شمس مضيئة ولا ليل مظلم، ولا نهار مضيئ، ولا بحر لجي، ولا جبل راس، ولا نجم
سار، ولا قمر منير، ولا ريح تهب، ولا سحاب يسكب، ولا برق يلمع، ولا روح تتنفس ولا
طائر يطير، ولا نار تتوقد، ولا ماء يطرد، كنت قبل كل شئ، وكونت كل شئ، وابتدعت كل
شئ (إلى آخر الدعاء). 10 - ومنه: بأسانيد ذكرها إلى ابن عباس وعبد الله بن جعفر، عن
أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء اليماني المعروف: وأنت الجبار القدوس الذي لم
تزل أزليا دائما في الغيوب وحدك، ليس فيها غيرك، ولم يكن لها سواك. 11 - ومنه: في
دعاء علمه جبرئيل النبي صلى الله عليهما: الاول والآخر والكائن قبل كل شئ، والمكون
لكل شئ، والكائن بعد فناء كل شئ. 12 - التوحيد: عن محمد بن الحسن (1) عن محمد بن
الحسن الصفار، عن محمد ابن عيسى (2) عن سليمان الجعفري، قال: قال الرضا عليه
السلام: المشية من صفات الافعال، فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد
(3). بيان: لعل الشرك باعتبار أنه إذا كانت الارادة والمشية أزليتين فالمراد و
المشيئ أيضا يكونان أزليين، ولا يعقل التأثير في القديم، فيكون إلها ثانيا كما مر
مرارا، أو إنهما لما لم يكونا عين الذات، فكونهما دائما معه سبحانه، يوجب إلهين
(1) هو محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد
أبو جعفر المتوفى سنة 343 شيخ القميين وفقيههم ثقة جليل القدر عظيم المنزلة. (2) في
المصدر: محمد بن عيسى بن عبيد. (3) التوحيد، باب صفات الافعال، ص 93 (*).
[38]
آخرين بتقريب ما مر (1). ويؤيد الاول ما
رواه في التوحيد أيضا عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله قال: قلت له: لم يزل الله
مريدا ؟ فقال: إن المريد لا يكون إلا لمراد معه، بل لم يزل عالما قادرا ثم أراد. 13
- التوحيد: بإسناده عن سلمان، قال: سأل الجاثليق أمير المؤمنين عليه السلام أخبرني
عن الرب أفي الدنيا هو أو في الآخرة ؟ قال علي عليه السلام: لم يزل ربنا قبل الدنيا
(2) هو مدبر الدنيا وعالم بالآخرة (3). 14 - وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام
قال: الحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان، لم يوجد لوصفه كان، ثم قال: كان إذ لم
يكن شئ ولم ينطق فيه ناطق فكان إذ لا كان (4). 15 - النهج: من خطبة له عليه السلام:
وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم
المتقاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه أطباقا ففقتها سبع سماوات بعد ارتتاقها، فاستمسكت
بأمره، وقامت على حده يحملها (5) الاخضر المثعنجر، والقمقام المسخر، قد ذل لامره،
وأذعن لهيبته ووقف الجاري منه لخشيته، وجبل جلاميدها ونشوز متونها وأطوادها فأرسيها
(1) المشية والارادة من صفات الافعال كما
نطقت به روايات كثيرة، والصفات الفعلية ما ينتزع من نفس الافعال ولا يوصف الواجب
تعالى بها من حيث ذاته من قطع النظر عن الافعال التى تصدر عنه ولا قبل صدورها.
فليست أفعالا خارجية حتى تكون ممكنة لا استقلال لها، ولا صفات ذاتية حتى تكون عين
ذات الواجب غير زائدة عليها بل هي عناوين انتزاعية فمن قال بأزليتها ووجودها قبل
تحقق الافعال لزمه القول يكونها موجودات حقيقية خارجية، وحيث إنها لا تكون ممكنة
ولا عين ذات الواجب لزم كونها واجبات مستقلة، كما تقول الاشاعرة في الصفات الذاتية
فالقول بأزليتها يستلزم القول بتعدد الاله، وذلك قوله عليه السلام (فمن زعم أن الله
لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد). (2) في المصدر: ولا يزال أبدا. (3) التوحيد: باب
الرحمن على العرش استوى، ص: 232. (4) التوحيد: 28. وسيأتى الحديث مسندا تحت الرقم
19. (5) في المصدر: وأرسى أرضا يحملها (*).
[39]
في مراسيها، وألزمها قرارتها (1) فمضت
رؤسها في الهواء، ورست اصولها في الماء فأنهد جبالها عن سهولها، وأساخ قواعدها في
متون أقطارها، ومواضع أنصابها فأشهق قلالها، وأطال أنشازها، وجعلها للارض عمادا،
وأرزها فيها أوتادا. فسكنت على حركتها (2) من أن تميد بأهلها أو تسيح بحملها، أو
تزول عن مواضعها، فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها،
فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا، فوق بحر لجي راكد لا يجري، وقائم لا يسري،
تكركره الرياح العواصف، وتمخضه الغمام الذوارف، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (3).
بيان: الاقتدار على الشئ القدرة على، و (الجبروت) فعلوت من الجبر وهو القهر، و
(البديع) بمعنى المبدع بالفتح، و (اللطيف) الدقيق. وزخر البحر كمنع أي تملا وارتفع،
و (المتراكم) المجتمع بعضه فوق بعض. وتقاصف البحر تزاحمت أمواجه. وقال ابن أبي
الحديد: اليبس بالتحريك المكان يكون رطبا ثم يبس، قال الله تعالى (فاضرب لهم طريقا
في البحر يبسا) واليبس بالسكون اليابس خلقة، يقال (حطب يبس) وهكذا يقول أهل اللغة
وفيه كلام لان الحطب ليس يابسا خلقة بل كان رطبا من قبل، والاصوب أن يقال: لا تكون
هذه اللفظة محركة إلا في المكان خاصة (انتهي) والجامد ضد الذائب، والمراد باليبس
الجامد: الارض و (الفطر) بالفتح: الخلق والانشاء، و (الاطباق) بالفتح: جمع (طبق)
بالتحريك وهو غطاء كل شئ، والطبق أيضا من كل شئ ما ساواه. وقوله عليه السلام
(ففتقها) إشارة إلى قوله تعالى (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا
رتقا ففتقناهما) وقد مرت الوجوه في تفسيرها، وهذا مما يؤيد بعضها فتذكر. ويدل على
حدوث السماوات وكونها اولي (4) طبقات منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة
(1) في المصدر: قراراتها. (2) في بعض
النسخ: عن حركتها. (3) نهج البلاغة، ج 1، 426. (4) في بعض النسخ: أولا (*).
[40]
بعضها فوق بعض، ففتقها وفرقها وباعد بعضها
عن بعض، فحصلت سبع سماوات متميزات بينها أفضية للملائكة. و (الاستمساك) الاحتباس
والاعتصام، والغرض عدم تفرقها كأن بعضها معتصم ببعض، وقيامها على حده كناية عن
وقوفها على ما حده لها من المكان و المقدار والشكل والهيئة والنهايات والطبائع وعدم
خروجها عن تلك، والضمير في (حده) راجع إلى الله أو إلى اليبس. وقال الكيدري:
(الاخضر) الماء، والعرب تصفه بالخضرة و (المثعنجر) على صيغة اسم الفاعل كما في
النسخ: السائل من ماء أو دمع، وبفتح الجيم: وسط البحر، وليس في البحر ما يشبهه ذكره
الفيروز آبادي. وقال الجزري في حديث علي عليه السلام (يحملها الاخضر المثعنجر) هو
أكثر موضع في البحر ماء، والميم و النون زائدتان، ومنه حديث ابن عباس (فإذا علمي
بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر) القرارة: الغدير الصغير. و (القمقام)
بالفتح كما في النسخ وقد يضم: البحر، ويكون بمعنى السيد والامر العظيم، والعدد
الكثير. و (المسخر) في بعض النسخ بالخاء المعجمة، و في بعضها بالجيم، في القاموس:
سجر النهر ملائه وتسجير الماء تفجيره. والضمير في قوله عليه السلام (منه) راجع إلى
ماء البحر، أو إلى اليبس الجامد، فيكون الدخان الذي خلق منه السماوات مرتفعا منه.
وفي (استمسكت) إلى الاطباق، أو إلى ما يرجع إليه الضمير في يحملها وهو اليبس الجامد
(1) والتأنيث لان المراد به الارض. و (أذعن له) أي خضع وانفاد، و (الجاري منه) أي
السائل بالطبع. فوقوفه عدم جريانه طبعا بإرادته سبحانه، أو السائل منه قبل إرادته
وأمره بالجمود. ويحتمل
(1) هذا إذا لم يكن لفظة الارض في الكلام،
وأما على نسخة المصدر (وأرسى أرضأ يحملها) فلا شبهة في رجوع الضمير إلى الارض (*).
[41]
أن تكون الضمائر في (ذل) و (أذعن) و (وقف)
راجعة إلى الاخضر أو القمقام وهو أنسب بتذكير الضمير والجريان. و (جبل) كنصر وضرب:
أي خلق، و (الجلمد) بالتفح و (الجلمود) بالضم: الحجر العظيم الصلب، و (النشز)
بالفتح: المكان المرتفع والجمع (نشوز) بالضم. والمتن: ما صلب من الارض وارتفع،
والطود بالفتح: الجبل أو العظيم منه، و الضمائر راجعة إلى الارض المعبر عنها باليبس
الجامد، و (أرسيها) أي أثبتها (في مراسيها) أي في مواضعها المعينة بمقتضى الحكم
الالهية، و (القرارة) موضع القرار و (رست) أي ثبتت، وفي بعض النسخ (رسبت) يقال: رسب
كنصر إذا ذهب إلى أسفل وإذا ثبت ويقال: نهدثدي الجارية كمنع ونصر أي كعب وأشرف.
والسهل من الارض ضد الحزن، وساخت قوائمه في الارض تسوخ وتسيخ أي دخلت فيها وغابت،
وأساخها غيبها. وقواعد البيت أساسه. والقطر بالضم: الناحية، أي غيب قواعد الجبال في
متون نواحي الارض، وقيل: أي في جوانب أقطارها. و (النصب) بالفتح ويحرك: العلم
المنصوب، وبالضم وبضمتين: كل ما جعل علما وكل ما عبد من دون الله. والمراد بالانصاب
الجبال. وبمواضعها الامكنة الصالحة للجبال بمقتضى الحكمة. و (القلال) بالكسر جمع
(قلة) بالضم، وهي أعلى الجبل أو أعلى كل شئ، و (الشاهق) المرتفع، أي جعل قلالها
مرتفعة، وإطالة الانشاز مؤكدة لها. والعماد بالكسر الخشبة التي تقوم عليها البيت
والابنية الرفيعة، و الظاهر أن المراد بجعلها للارض عمادا ما يستفاد من الفقرة
التالية، وقيل: المراد جعلها مواضع رفيعة في الارض. و (أرز) بتقديم المهملة كنصر
وضرب وعلم أي ثبت، و (أرز) بتشديد المعجمة أي أثبت، وفي أكثر النسخ بالتخفيف وفتح
العين وفي بعضها بالتشديد. قال في النهاية: في كلام علي عليه السلام (أرزها فيها
أوتادا) أي أثبتها، إن كانت الزاي مخففة فهي من أرزت الشجرة تأرز إذا أثبت في الارض
وإن كانت مشددة فهي من (أرزت الجرادة) إذا أدخلت دنبها في الارض لتلقي فيها بيضها،
ورززت الشئ في الارض رزا: أثبتته فيها، وحينئذ تكون الهمزة زائدة
[42]
(انتهى) وقيل: وروي آرز بالمد من قولهم
شجرة آرزة أي ثابتة في الارض. (فسكنت على حركتها) أي حال حركتها التي هي من شأنها،
لانها محمولة على سائل متموج كما قيل، أو على أثر حركتها بتموج الماء (من أن تميد)
أي تتحرك وتضطرب (أو تسيخ بحملها) أي تغوص في الماء مع ما عليها. قال ابن أبي
الحديد: لو تحركت الارض فإما أن تتحرك على مركزها أولا، والاول هو المراد بقوله
عليه السلام (تميد بأهلها) والثاني ينقسم إلى أن تنزل إلى تحت، وهو المراد بقوله
عليه السلام (تسيخ بحملها) وأن لا تنزل إلى تحت، وهو المراد بقوله (تزول عن
مواضعها) (انتهى). ويحتمل أن يراد بقوله عليه السلام (تميهد بأهلها) تحركها
واضطرابها بدون الغوص في الماء كما يكون عند الزلزلة، وبسوخها بحملها حركتها على
وجه يغوص أهلها في الماء سواء كانت على المركز أم لا، فتكون الباء للتعدية،
وبزوالها عن مواضعها خراب قطعاتها بالرياح والسيول أو بتفرق القطعات وانفصال بعضها
عن بعض، فإن الجبال كالعروق السارية فيها تضبطها عن التفرق كما سيأتي، ويؤيده إيراد
المواضع بلفظ الجمع. وصيغة (فعلان) بالتحريك في المصدر تدل على الاضطراب والتقلب
والتنقل كالميدان والنزوان والخفقان، ولعل المراد بهذا الموجان ما كان غامرا للارض
أو أكثرها، وإمساكها بخلق الجبال التي تقدم في الكلام. ورطوبة أكنافها أي جوانبها
لميدانها قبل خلق الجبال، و (المهاد) بالكسر: الفراش، والموضع يهيأ للصبي ويوطأ، و
(الفراش) ما يبسط، و (اللجة) بالضم: معظم الماء، وركد كنصر أي ثبت وسكن، وسرى عرق
الشجر كرمى أي دب تحت الارض. وقال الجوهري: الكركرة تصريف الرياح (1) السحاب إذا
جمعته بعد تفرق وقال (باتت تكركره الجنوب) وأصله تكرره من التكرير (2) و كركرته عني
(1) في الصحاح: الريح. (2) في الصحاح:
وكركرت بالدجاجة: صحت بها وكركرته عنى...
[43]
أي دفعته ورددته. و (الرياح العواصف)
الشديدة الهبوب، ومخض اللبن يمخضه مثلة أي أخذ زبده، وفي النسخ الفتح والضم. و
(الغمام) جمع (غمامة) وهي السحابة البيضاء أو الاعم. وذرف الدمع كضرب أي سال، وذرف
عينه أي سال دمعها، وذرف العين دمعها أي أسالها. و (من يخشى) العلماء، كما قال
سبحانه (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ويحتمل أن يكون التخصيص لاجل أن عدم
الخشية يوجب عدم المبالاة بالعبر والالتفات إليها. 16 - العلل: بإسناده عن معاذ بن
جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن
والحسين عليهم السلام قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام. قلت: فأين كنتم يا رسول
الله ؟ قال: قدام العرش، نسبح الله ونحمده و نقدسه ونمجده. قلت: على أي مثال ؟ قال:
أشباح نور (1) (الخبر). 17 - التوحيد والعيون: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عمرو
الكاتب، عن محمد بن زياد القلزمي، عن محمد بن أبي زياد الجدي، عن محمد بن يحيى
العلوي عن الرضا عليه السلام في خطبته الطويلة قال: أول عبادة الله معرفته، وأصل
معرفة الله توحيده ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف
مخلوق وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف
بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث (2) وشهادة الحدث (3) بالامتناع من الازل
الممتنع من الحدث (4) إلى قوله سبق الاوقات كونه، والعدم وجوذه، والابتداء أزله إلى
قوله ففرق بها بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد إلى قوله مخبرة بتوقيتها
أن لا وقت لموقتها إلى قوله له معنى الربوبية إذ لا مربوب، و حقيقة الالهية إذ لا
مألوه، ومعنى العالم إذ (5) لا معلوم، ومعنى الخالق إذ (6)
(1) علل الشرائع: ج 1، ص 198 وسيأتى ايضا
تحت الرقم (133). (2 و 3 و 4) في العيون: الحدوث. (5) في العيون: ولا معلوم. (6) في
العيون: وليس.
[44]
لا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس
منذ خلق استحق معنى الخالق (1) ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية، كيف ؟
ولا تغيبه (2) مذ، ولا تدنيه قد، وتحجبه لعل، ولا يوقته (3) متى، ولا تشمله حين،
ولا تقارنه (4) مع إلى قوله فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلما يمكن فيه
يمتنع من (5) صانعه، لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه أو
يعود إليه (6) ما هو ابتدأه ؟ إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الازل
معناه إلى قوله ليس في محال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله
(7) تعظيم، ولا في إبانته عن الخلق ضيم، إلا بامتناع الازلي أن يثنى، ولما (8)
لابدء له أن يبدأ (9) (إلى آخر الخطبة). الاحتجاج: مرسلة (10) مثله. مجالس ابن
الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن الحسن بن حمزة العلوى، عن محمد بن عبد الله الحميري،
عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن مروك بن عبيد
(1) قال المؤلف رحمه الله في بيان هذه
الفقرة (ج 4، ص 241) ما هذا لفظه: إذا الخالقية التى هي كماله هي القدرة على خلق كل
ما علم أنه أصلح، ونفس الخلق من آثار تلك الصفة الكمالية ولا يتوقف كماله عليه
(انتهى) يعنى بذلك أن المراد بالخالقية ليس التى من الصفات الفعلية بل التى من
الصفات الكمالية الذاتية وهى القدرة على الخلق لا عنوان الخالق فتبصر وقس عليه
البرائية وما ضاهاها. (2) في العيون: ولا توقته. (3) في العيون: ولا تشمله. (4) في
العيون: ولا تقاربه. (5) في العيون: في صانعه. (6) في العيون: فيه. (7) في بعض
النسخ: له. (8) في التوحيد: ولا بداله أن يبدو وفي بعض النسخ (وما لا بدء.) وهو
الاظهر. (9) التوحيد: ص 15. العيون: ص 150. (10) الاحتجاج: باب احتجاج الرضا عليه
السلام ص 217.
[45]
عن محمد بن زيد الطبري، عن الرضا عليه
السلام مثله. مجالس المفيد: عن الحسن بن حمزة مثله. بيان: قد مر شرح الخطبة في كتاب
التوحيد، وقد دلت على تنافي الحدوث أي المعلولية والازلية، وتأويل الازلية بوجوب
الوجود مع بعده يجعل الكلام خاليا عن الفائدة، ودلالة سائر الفقرات ظاهرة كما
فصلناه سابقا، وظاهر أكثر الفقرات نفي الزمانية عنه سبحانه، وكذا قوله عليه السلام
(إلا بالامتناع الازلي أن يثنى) يدل على امتناع تعدد القدماء، وكذا الفقرة التالية
لها. 18 - التوحيد: عن محمد بن الحسن، عن الصفار، وسعد بن عبد الله، عن أحمد بن
محمد بن عيسى، والهيثم بن أبي مسروق، ومحمد بن الحسين كلهم عن الحسن ابن محبوب، عن
عمرو بن أبي المقدام، عن إسحق بن غالب، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض خطبة: الحمد لله الذي كان في أزليته (1)
وحدانيا إلى قوله ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق، على غير مثال كان سبق لشئ مما خلق،
ربنا القديم بلطف ربوبيته وبعلم خبره فتق، وباحكام قدرته خلق جميع ما خلق (2)
(الخبر). 19 - ومنه: عن على بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن
موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد، عن إبراهيم بن الحكم، عن عبد الله بن جرير، عن
جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كان يقول: الحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان، لم
يوجد لوصفه كان، بل كان أولا (3) كائنا، لم يكونه مكون جل ثناؤه بل كون الاشياء قبل
كونها، فكانت كما كونها، علم ما كان وما هو كائن، كان إذ لم يكن شئ، ولم ينطق فيه
ناطق، فكان إذ لا كان (4).
(1) في بعض النسخ: أوليته. (2) التوحيد: ص
20. (3) في نسخة: أزلا. (4) التوحيد: ص 28. وقد مر مقطعا تحت الرقم 14 (*).
[46]
20 - ومنه: عن أبيه، عن محمد (1) بن
إدريس، عن محمد بن أحمد، عن سهل ابن زياد، عن أحمد بن بشر (2) عن محمد بن جمهور
العمي، عن محمد بن الفضيل، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قال: في الربوبية العظمى والالهية الكبرى لا يكون الشئ لامن شئ إلا الله، ولا ينقل
الشئ من جوهريته إلى جوهر آخر إلا الله ولا ينقل الشئ من الوجود إلى العدم إلا الله
(3). 21 - ومنه: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي عن الهيثم
عبد الله الرماني، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه
السلام الناس في مسجد الكوفة فقال: الحمد لله الذي لا من شئ كان، ولا من شئ كون ما
كان (4) مستشهد بحدوث الاشياء على أزليته، وبفطورها على قدمته (5) (الخطبة). 22 -
ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن منصور
بن حازم (6) قال: قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس كان في علم
الله تعالى ؟ قال: فقال: بلى، قبل أن يخلق السماوات و الارض (7). 23 - ومنه: عن
الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد الاشعري عن علي بن إسماعيل
وإبراهيم بن هاشم، جميعا عن صفوان، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله عليه
السلام: هل يكون اليوم شئ لم يكن في علم الله عزوجل ؟ قال: لا، بل كان في علمه قبل
أن ينشئ السماوات والارض (8).
(1) في المصدر: أحمد بن إدريس، وهو
الصحيح. (2) كذا في نسخ الكتاب والمصدر، لكن الظاهر أنه مصحف (أحمد بن بشير) لرواية
سهل بن زياد عنه. (3) التوحيد: ص 32. (4) في المصدر: ما قد كان. (5) التوحيد: ص 33.
(5) التوحيد: ص 33. (6) في المصدر: عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قلت له. (7)
التوحيد: 85. (8) التوحيد: ص 85.
[47]
24 - ومنه: عن عبد الله بن محمد بن عبد
الوهاب، عن أحمد بن الفضل، عن منصور بن عبد الله، عن علي بن عبد الله، عن الحسين بن
بشار، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: إن الله (1) العالم بالاشياء قبل كون
الاشياء إلى قوله فلم يزل الله عزوجل علمه سابقا للاشياء، قديما قبل أن يخلقها،
فتبارك ربنا وتعالى علوا كبيرا، خلق الاشياء وعلمه بها سابق لها كما شاء، كذلك لم
يزل ربنا عليما سميعا بصيرا (2). 25 - وبهذا الاسناد عن علي بن عبد الله، عن صفوان،
عن ابن مسكان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الله تبارك وتعالى أكان يعلم
المكان قبل أن يخلق المكان أم علمه عندما خلقه وبعد ما خلقه ؟ فقال: تعالى الله، بل
لم يزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كونه، وكذلك علمه بجميع الاشياء
كعلمه بالمكان (3). 26 - ومنه: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله
الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الفضل بن سليمان، عن الحسين بن خالد، قال:
قلت للرضا عليه السلام: إن قوما يقولون: إنه عزوجل لم يزل عالما بعلم، وقادرا
بقدرة، وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر فقال عليه السلام: من
قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة اخرى، وليس من ولايتنا على شئ (4). 27 -
العيون والتوحيد: عن جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي، عن الحسن بن محمد بن علي بن
صدقة، عن محمد بن عبد العزيز الانصاري، قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي
(5) قال: قال عمران الصابي للرضا عليه السلام: أخبرني
(1) في المصدر: إن الله تعالى هو العالم.
(2) التوحيد: 86. (3) التوحيد: ص 86. (4) التوحيد: ص 88. (5) هذا الاسم مشترك بين
(الحسن بن محمد بن سهل النوفلي) الذى ضعفه النجاشي وبين الحسن بن محمد بن الفضل بن
يعقوب بن سعيد بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب،=
[48]
عن الكائن الاول وعما خلق. قال عليه
السلام: سألت فافهم، أما الواحد فلم يزل واحد كائنا لا شئ معه بلا حدود ولا أعرض،
ولا يزال كذلك، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة، لافي شئ أقامه، ولا
في شئ حده، ولا على شئ حذاه (1) ومثله (2) له، فجعل من بعد ذلك الخلق صفوة وغير
صفوة، واختلافا وائتلافا، وألوانا وذوقا وطعما، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا
لفضل منزلة لم يبلغها إلا به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصا (3) تعقل هذا
يا عمران ؟ قال: نعم والله يا سيدي، قال عليه السلام: واعلم يا عمران أنه لو كان
خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف
ما خلق، لان الاعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا تسعها (4)
لانه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه (5) حاجة اخرى، ولذلك أقول:
= الثقة الجليل، وللعلامة البهبهانى كلام
في تنقيح المقال (ج 1 ص 308) حاصله: أن الظاهر اتحاد الحسن بن محمد بن الفضل
النوفلي المذكور مع الحسين بن محمد بن الفضل النوفلي و أن الصحيح هو الحسن مكبرا
والشاهد عليه تصريح النجاشي بأن الحسن بن محمد بن الفضل روى عن الرضا عليه السلام
نسخة وبأن الحسين بن محمد بن الفضل صنف مجالس الرضا عليه السلام مع أهل الاديان.
وكذا الظاهر اتحاد الحسن بن محمد بن الفضل مع الحسن بن محمد بن سهل النوفلي وأن
(سهل) مصحف (سعيد) أو اسم جده الاتى والشاهد عليه رواية الحسن بن محمد ابن جمهور
العمى مجالس الرضا عليه السلام عنهما (انتهى) لكن يحتمل كون الحسين أخا الحسن لعدم
تصريح النجاشي بكون الحسن مصنف الكتاب بل قال، روى عن الرضا عليه السلام نسخة وأما
احتمال اتحاد الحسن بن محمد بن الفضل مع الحسن بن محمد بن سهل فقوى جدا والظاهر أن
الراوى عن الحسن بن محمد النوفلي في هذه الرواية هو الحسن بن محمد بن جمهور العمى.
(1) في بعض النسخ: حاذاه. (2) في التوحيد: مثله. (3) في التوحيد: ولا نقصانا. (4)
في نسخة، لا يسعها. (5) منه (خ ل) (*).
[49]
لم يخلق الخلق لحاجة، ولكن نقل بالخلق
بالحوائج بعضهم إلى بعض، وفضل بعضهم على بعض، بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة
منه على من أذل، فلهذا خلق (1). قال عمران: يا سيدي، ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف
هي ؟ وما معانيها ؟ وعلى كم نوع تكون ؟ (2) قال: قد سألت فافهم، إن حدود خلقه على
ستة أنواع: ملموس وموزون ومنظور إليه، وما لا وزن له، وما لا ذوق (3) له وهو الروح
ومنها منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون (4) والتقدير والاعراض والصور
والطول والعرض، ومنها العمل والحركات التي تصنع (5) الاشياء وتعملها وتغيرها من حال
إلى حال وتزيدها وتنقصها. وأما الاعمال والحركات فإنها تنطلق لانه (6) لا وقت لها
أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشئ انطلق بالحركة وبقي الاثر ويجري مجرى
الكلام الذي يذهب ويبقى أثره. قال له عمران: يا سيدي، ألا تخبرني عن الخالق إذا كان
واحدا لا شئ غيره ولا شئ معه أليس قد تغير بخلقه الخلق ؟ قال [له] الرضا عليه
السلام: لم يتغير عزوجل بخلق الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره (7). قال عمران: يا
سيدي، ألا تخبرني عن الله عزوجل هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف ؟ قال عليه السلام: إن
الله المبدأ الواحد الكائن الاول، لم يزل واحدا لا شئ معه، فردا لا ثاني معه، لا
معلوما ولا مجهولا، ولا محكما ولا متشابها، ولا
(1) من هنا اسقط شطر من الحديث. (2) في
المصدر: يتكون. (3) في نسخة (لا لون له) وهو الاظهر. (4) في التوحيد، ولا لون ولا
ذوق. (5) في نسخة: فيها الاشياء. (6) في التوحيد: لانها. (7) قه اسقط هنا أيضا شطر
من الحديث (*).
[50]
مذكورا ولا منسيا، ولا شيئا يقع عليه اسم
شئ من الاشياء (1) ولا من وقت كان ولا إلى وقت يكون، ولا بشئ قام، ولا إلى شئ يقوم،
ولا إلى شئ استند، ولا في شئ استكن، وذلك كله قبل الخلق إذ لا شئ غيره، وما أوقعت
(2) عليه من الكل فهي صفات محدثة، وترجمة يفهم بها من فهم. واعلم أن الابداع
والمشية والارادة معناها واحد، وأسماؤها ثلاثة، وكان أول إبداعه وإرادته ومشيته
الحروف التي جعلها أصلا لكل شئ، ودليلا على كل مدرك، وفاصلا لكل مشكل، وبتلك الحروف
تفريق (3) كل شئ من اسم حق أو باطل، أو فعل أو مفعول، أو معنى أو غير معنى، وعليها
اجتمعت الامور كلها، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها بتناه (4) ولا
وجود لها لانها مبدعة بالابداع، والنور في هذا الوضع (5) أول فعل الله الذي هو نور
السماوات والارض، والحروف هي المفعول بذلك الفعل، وهي الحروف التي عليها الكلام
والعبارات كلها من الله عزوجل علمها خلقه، وهي ثلاثة وثلاثون حرفا، فمنها ثمانيه
وعشرون حرفا تدل على اللغات العربية، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدل
على اللغات السريانية والعبرانية ومنها خمسة أحرف متحرفة في سائر اللغات من العجم
لاقاليم (6) اللغات كلها وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين الحروف من
اللغات، فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا، فأما الخمسة المختلفة فبحجج (7) لا يجوز
ذكرها أكثر مما ذكرناه، ثم جعل الحروف
(1) في التوحيد: من الاشياء غيره. (2) في
التوحيد: وما اوقع عليه من المثل. (3) في نسخة، تفرق. (4) في المصدرين: يتناهى. (5)
في بعض النسخ وكذا في التوحيد (الموضع). (6) في العيون: والاقاليم واللغات، (7)
النسخ ههنا في غاية الاختلاف وسيأتى الاشارة إليه من العلامة المؤلف رحمه الله (*).
[51]
بعد إحصائها وإحكام عدتها فعلا منه كقوله
عزوجل (كن فيكون) و (كن) منه صنع وما يكون به المصنوع، فالخلق الاول من الله عزوجل:
الابداع، لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حس، والخلق الثاني: الحروف، لا
وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة (1) غير منظور إليها والخلق الثالث: ما كان من
الانواع كلها محسوسا ملموسا ذاذوق منظورا إليه، والله تبارك وتعالى سابق للابداع
لانه ليس قبله عزوجل شئ، ولا كأن معه شئ، والابداع سابق للحروف والحروف لا تدل على
غير أنفسها (2). قال المأمون: وكيف لا تدل على غير أنفسها (3) ؟ قال الرضا عليه
السلام: لان الله عزوجل لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدا، فإذا ألف منها أحرفا
أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير (4) معنى، ولم يك (5)
إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا. قال عمران: فكيف لنا معرفة ذلك ؟ قال الرضا
عليه السلام: أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه (6) أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير
نفسها، ذكرتها فردا فقلت: ا، ب، ت، ث، ج، ح، خ، حتى تأتي على آخرها فلم تجد لها
معنى غير أنفسها فإذا ألفتها وجمعت منها أحرفا وجعلتها اسما وصفة لمعنى ما طلبت
ووجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها، داعية إلى الموصوف بها، أفهمته ؟ قال: نعم،
ثم قال: يا سيدي، ألا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق ؟ قال الرضا عليه
السلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون، وإنما صار خلقا لانه شئ محدث والله الذي
أحدثه، فصار
(1) في التوحيد: موضوعة. (2 و 3) نفسها (خ
ل). (4) في العيون: بغير. (5) في بعض النسخ: ولم تكن. (6) في بعض النسخ: بابه (*).
[52]
خلقا له، وإنما هو الله عزجل وخلقه لا
ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عزوجل لم يعد أن يكون خلقه، وقد يكون
الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق
الله عزوجل. واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكل حاسة تدل على
ما جعل (1) الله عزوجل لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كله واعلم أن
الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير، وكان الذي
خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر وليس في (2) واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل
أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون
غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا
ثاني معه يقيمه، ولا يعضده ولا يكنه (3) والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته،
وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا، وطلبوا الخلاص من الظلمة
بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا، ولو وصفوا الله عزوجل
بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين، ولما اختلفوا، فلما طلبوا
من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (4) (تمام
الخبر). بيان: (لا في شئ أقامه (5)) أي في مادة قديمة كما زعمته الفلاسفة، و (مثله
(1) في بعض النسخ: خلق. (2) في العيون: في
كل واحد. (3) في التوحيد: ولا يمسكه. (4) التوحيد: ص 318. العيون، ج 1، ص 169. (5)
ظاهر كلامه عليه السلام أن الله تعالى حين خلق المخلوق الاول لم يقمه في شئ أي لم
يجعله في مكان ولا موضوع ولا محل، لانه لم يكن عندئذ شئ آخر حتى يقوم فيه، ويلزم من
ذلك أن لا يكون المخلوق الاول أمرا ماديا، وإلا لاحتاج إلى مكان أول محل لا محالة.
و أما حديث قدم المادة فقد مرمنا أنها ليست أمرا متحصلا حتى يقال: هل هي قديمة أو
حادثة زمانا ؟ وتحصلها إنما يكون بالصور، والصور الجسمانية حادثة زمانا عند الكل
الا الصور الفلكية، فانها على فرض وجودها غير حادثة زمانا عند بعض الفلاسفة فتدبر
(*).
[53]
له) أي مثل أولا ذلك الشئ للشئ الكائن ثم
خلق الكائن على حذوه كما هو شأن المخلوقين، ويحتمل أن يكون ضمير (له) راجعا إلى
الصانع تعالى، (والحاجة يا عمران لا يسعها) أي لا يسع خلق الحاجة ولا يدفعها، لان
كل من خلق لو كان على وجه الاحتياج لكان يحتاج لحفظه وتربيته ورزقه ودفع الشرور عنه
إلى أضعافه وهكذا. (على ستة أنواع) لعل الاول ما يكون ملموسا وموزونا ومنظورا إليه
والثانى ما لا تكون له تلك الاوصاف كالروح، وإنما عبر عنه بما لا ذوق له اكتفاء
ببعض صفاته، وفي بعض النسخ (وما لا لون له) وهو الروح وهو أظهر للمقابلة، والثالث
ما يكون منظورا إليه ولا يكون ملموسا ولا محسوسا ولا موزونا ولا لون له كالهواء
والسماء، فالمراد بكونه منظورا إليه أنه يظهر للنظر بآثاره، وقد يرى ولا لون له
بالذات، أو يراد به الجن والملك وأشباههما، والظاهر أن قوله (ولا لون) زيد من
النساخ. والرابع التقدير، ويدخل فيه الصور والطول والعرض والخامس الاعراض القارة
المدركة بالحواس كاللون والضوء وهو الذي عبر عنه بالاعراض والسادس الاعراض غير
القارة كالاعمال والحركات [التي] تذهب هي وتبقى آثارها. ويمكن تصوير التقسيم بوجوه
اخر تركناها لمن تفكر فيه. (هل يوحد بحقيقة) بالحاء المهملة المشددة، أي هل يتأتى
توحيده مع تعقل كنه حقيقته، أو إنما (1) يوحد مع تعقله بوجه من وجوهه وصفة من صفاته
وفي بعض النسخ بالجيم من الوجدان، أي يعرف وهو أظهر ؟ فأجاب عليه السلام بأنه
سبحانه يعرف بالوجوه التي هي محدثة في أذهاننا، وهي مغائرة لحقيقته تعالى، وما ذكره
أولا لبيان أنه قديم أزلي، والقديم يخالف المحدثات في الحقيقة، وكل شئ غيره فهو
حادث. وقوله عليه السلام (لا معلوما) تفصيل وتعميم للثاني، أي ليس معه غيره: لا
معلوم ولا مجهول. والمراد بالمحكم ما يعلم حقيقته وبالمتشابه ضده ويحتمل أن يكون
إشارة إلى نفي قول من قال بقدم القرآن، فإن المحكم والمتشابه
(1) في بعض النسخ: وإنما (*).
[54]
يطلق (1) على آياته. (ولم يجعل للحروف في
إبداعه لها معنى) أي إنما خلق الحروف المفردة التي ليس لها موضوع غير أنفسها، ولم
يجعل لها وضعا ولا معنى ينتهي إليه ويوجد ويعرف بذلك الحرف، ويحتمل أن يكون المراد
بالمعنى الصفة أي أول ما خلقها كان غير موصوف بمعنى وصفة ينتهي إليها ويوجد، لانها
كانت مبدعة بمحض الابداع ولم يكن هناك شئ غير الابداع والحروف حتى يكون معنى للحروف
أو صفة لها، والمراد بالنور الوجود، إذ به تظهر الاشياء كما تظهر الموجودات للحس
بالنور، والابداع هو الايجاد، وبالايجاد تصير الاشياء موجودة فالابداع هو التأثير،
والحروف هي الاثر موجودة بالتأثير، وبعبارة اخرى: الحروف محل التأثير، وعبر عنه
بالمفعول والفعل، والاثر هو الوجود. (فأما الخمسة المختلفة فبحجج) كذا في أكثر
النسخ، أي إنما حدثت بأسباب وعلل من انحراف لهجات الخلق، واختلاف منطقهم، لا ينبغي
ذكرها. وفي بعضها (فبحح) بالحائين من (البحة) وهي الغلظة في الصوت، والاظهر أنه
عليه السلام ذكر تلك الحروف فاشتبه على الرواة وصحفوها، فالخمسة: (الگاف) في قولهم
(بگو) أي تكلم، و (الچيم) المنقوطة بثلاث نقاط كما في قولهم (چه ميگوئى ؟) و
(الژاء) في قولهم (ژاله) و (الپاء) في قولهم (پياده) و (پياله) والتاء الهندية. ثم
ركب الحروف وأوجد الاشياء (2) وجعلها فعلا منه، كما قال (إنما أمره إذا أراد شيئا
أن يقول له كن فيكون) فكن صنع وإيجاد للاشياء، وما يوجد به هو المصنوع فأول صادر
عنه تعالى هو الايجاد، وهو معنى لا وزن له ولا حركة، وليس بمسموع ولا ملون ولا
محسوس، والخلق الثاني يعنى الحروف غير موزون ولا ملون لكنها مسموعة موصوفة ولا يمكن
إبصارها والخلق الثالث وهو ما وجد بهذه الحروف من السماوات والارضين وغيرهما هي
محسوسة ملموسة مذوقة مبصرة فالله مقدم بوجوده
(1) في بعض النسخ، يطلقان. (2) في نسخة:
بها الاشياء (*).
[55]
على الابداع الذي هو الخلق الاول، لانه
ليس شئ قبله حتى يسبقه أيضا إبداع ولا كان شئ دائما معه، والابداع متقدم على الحروف
لوجودها به، ومعنى كون الحروف غير دالة على معنى غير نفسها هو أن الحروف المفردة
إنما وضعت للتركيب وليس لها معنى تدل عليه إلا بعد التركيب. قوله عليه السلام (بل
خلق ساكن) أي نسبة وإضافة بين العلة والمعلول، فكأنه ساكن فيهما، أو عرض قائم بمحل
لا يمكنه مفارقته. وقوله (لا يدركه بالسكون) أي أمر إضافي اعتباري ينتزعة العقل،
ولا يشار إليه في الخارج ولا يدرك بالحواس وإن كان ما يتعلق به من المحسوسات. وإنما
قلنا إنه خلق، لان هذه النسبة والتأثير غيره تعالى وهو محدث، ولا يمكن نفي الوجود
عنه رأسا لانه شئ حادث بعد أن لم يكن، فله خروج عن كتم العدم ودخول في نحو من أنحاء
الوجود وكل محدث معلول، فلا يتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر وهكذا حتى يلزم
التسلسل، بل ليس في الحقيقة إلا الرب ومخلوقه الذي أوجده، والايجاد معنى صار سببا
لوجود المعلول بتأثيره تعالى، فكل شئ خلقه الله لم يعد ولم يتجاوز أن يصدق عليه أن
الله خلقه، فهذا هو معنى الابداع لا غير، وهذا المعنى يقع عليه حد، وكل ما يقع عليه
حد فهو خلق الله، أو يقال: أشار بقوله (والله الذي أحدثه) إلى رفع توهم أنه مع كونه
موجودا حادثا لا يجوز أن يستند إليه تعالى لانه حينئذ يجب أن يتعلق به إبداع آخر
وهكذا إلى غير النهاية، واستناد كل من هذه السلسلة موقوف على استناد سابقه فلا يحصل
إلا بعد تحقق الامور الغير المتناهية وهو محال، فكذا الموقوف عليه، فأثبت عليه
السلام أولا استناده إليه تعالى من جهة أن الحادث بتبعية حادث آخر في مرتبته من
محدث لا يتصور أن يكون مستندا إلى غيره، ثم أيده ثانيا بنفي ثالث بينهما صالح لان
يستند إليه كما هو المفروض ثم أكده ثالثا بنفي ثالث صالح لذلك مطلقا بناء على أن
الكلام في مطلق الابداع ومن أفراده الابداع الاول الذي لا يتصور تقدم شئ عليه سوى
الله تعالى، فسائر
[56]
أفراده كذلك، لعدم الفرق ضرورة. ثم أوثقه
رابعا بدفع توهم بعيد هو أن يكون مستندا إليه ولا يكون مخلوقا له، بالاشارة إلى أن
الاستناد وكل ما يعبر به عن هذا المعنى يرجع إلى معنى الخلق، فلا يمكن أن يكون خلقه
فتجاوز عن كونه مخلوقا له، ثم أحكمه خامسا بدفع شبهة لزوم التسلسل بالفرق بين حقائق
الموجودات، وتفاوت مراتبها في المقتضيات، وعدم جواز قياس بعضها على بعض في جميع
الحالات، ليسهل به التصديق بجواز أن يكون حكم الموجودات الرابطية مخالفا لحكم
الموجودات الحقيقية، فلا يلزم من ثبوت إبداع لها ثبوته للرابطية أيضا كما اشتهر أن
الارادة ليس لها إرادة اخرى فلا يلزم التسلسل. ويمكن أن يحمل على الاشارة إلى دفع
مثل هذا التسلسل باعتبار الفرق المذكور ما روي في الكافي عن أبي عبد الله عليه
السلام قال: خلق الله المشية بنفسها، ثم خلق الاشياء بالمشية (1) ثم أفاد عليه
السلام سادسا ضابطة وعلامة لمعرفة خلقه تعالى تتميما للمقصود وتأكيدا لصحته بأن كل
ما لوجوده حد لم يكن قبله موجودا، فلابد له من أن يكون مخلوقا له تعالى لثبوت
الامكان ولزوم الاحتياج. قوله عليه السلام (وكان الذي خلق خلقين اثنين) لعله إشارة
إلى الخلق الاول وهي الحروف، ففي خلقتها يخلق شيئان: حرف، وتحديد وتقدير قائم به،
وليس شئ من الحروف و العرض القائم به ذالون ووزن وذوق، وجعل أحدهما يدرك بالآخر، أي
الحروف تعرف بالحدود القائمة بها، فيعرف بأنه شئ محدود، والمعنى