الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 37

العلامة المجلسي


 

[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء السابع والثلاثون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍. 1983 م


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (49) * { باب } * * (نادر في ذكر مذاهب الذين خالفوا الفرقة المحقة في القول) * * (بالائمة الاثنى عشر صلوات الله عليهم) * قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الفصول فيما نقل عنه السيد المرتضى: الامامية هم القائلون بوجوب الامامة والعصمة ووجوب النص، وإنما حصل لها هذا الاسم في الاصل لجمعها في المقالة هذه الاصول، فكل من جمعها إمامي، وإن ضم إليها حقا في المذهب - كان - أم باطلا، ثم إن من شمله هذا الاسم واستحقه لمعناه قد افترقت كلمتهم في أعيان الائمة وفي فروع ترجع إلى هذه الاصول وغير ذلك فأول من شذ (1) عن الحق من فرق الامامية الكيسانية وهم أصحاب المختار، وإنما سميت بهذا الاسم لان المختار كان اسمه أولا الكيسان، وقيل: إنه سمي (2) بهذا الاسم لان أباه حمله وهو صغير، فوضعه بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: فمسح يده على رأسه وقال: كيس كيس، فلزمه هذا الاسم، وزعمت فرقة منهم أن محمد بن علي استعمل المختار على العراقين بعد قتل الحسين عليه السلام وأمره بالطلب بثاراته، وسماه كيسان لما عرف من قيامه ومذهبه، وهذه الحكايات في معنى اسمه في الكيسانية خاصة، وأما نحن فلا نعرف لم سمي بهذا (3) ولا نتحقق معناه.

 

(1) أي خالف. (2) في المصدر: انما سمى. (3) =: وهذه الحكايات في اسمه عن الكيسانية خاصة، فأما نحن فلا نعرف له الا أنه سمى بهذا.

 

[2]

وقالت هذه الطائفة بإمامة أبي القاسم محمد بن أمير المؤمنين عليه السلام ابن خولة الحنفية، وزعموا أنه هو المهدي الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر بالحق (1)، وتعلقت في إمامته بقول أمير المؤمنين عليه السلام له يوم البصرة: أنت ابني حقا، وأنه كان صحاب رايته كما كان أمير المؤمنين عليه السلام صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان ذلك عندهم دليلا (2) على أنه أولى الناس بمقامه، واعتلوا في أنه المهدي بقول النبي صلى الله عليه وآله: " لن تنقضي، الايام والليالي حتى يبعث الله تعالى رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، واسم أبيه اسم أبي، يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بقوله: " أنا عبد الله وأخو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (3) وأنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر " وتعلقوا في حياته أنه إذا ثبت إمامته بأنه القائم فقد بطل أن يكون الامام غيره، وليس يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الارض من حجة، ولا بد (4) على صحة هذه الاصول من حياته. وهذه الفرقة بأجمعها تذهب إلى أن محمدا كان الامام بعد الحسن والحسين عليهما السلام وقد حكي عن بعض الكيسانية أنه كان يقول: إن محمدا كان الامام بعد أمير المؤمنين عليه السلام وبطل إمامة الحسن والحسين، ويقول: إن الحسن إنما دعا في باطن الدعوة إلى محمد بأمره ! وإن الحسين ظهر بالسيف بإذنه، وإنهما كانا داعيين إليه وأميرين من قبله ! وحكي عن بعضهم أن محمدا رحمه الله عليه مات وحصلت الامامة من بعده في ولده، وأنها انتقلت من ولده إلى ولد العباس بن عبد المطلب، وقد حكي أيضا أن منهم من يقول: إن عبد الله بن محمد حي لم يمت (5) وأنه القائم، وهذه حكاية شاذة، وقيل: إن منهم من يقول: إن محمدا قد مات وإنه يقوم بعد الموت وهو المهدي،

 

(1) في المصدر: حتى يظهر الحق. (2) =: وكان ذلك عندهم الدليل اه‍. (3) =: وأخو رسول الله. (4) =: فلابد. (5) =: لا يموت.

 

[3]

وينكر حياته، وهذا أيضا قول شاذ، وجميع ما حكينا بعد الاول من الاقوال هو حادث ألجأ القوم إليه الاضطرار عند الحيرة وفراقهم الحق، والاصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة المعروفة بإمامة أبي القاسم بعد أخويه عليهما السلام والقطع على حياته وأنه القائم، مع أنه لا بقية للكيسانية جملة، وقد انقرضوا حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد إلا ما يحكى ولا يعرف صحته. وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله (1)، وله في مذهبهم أشعار كثيرة، ثم رجع عن القول بالكيسانية وبرئ منه (2) ودان بالحق، لان أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له وقال بنظام الامامة، وفارق ما كان عليه من الضلالة، وله في ذلك أيضا شعر معروف، فمن بعض قوله في إمامة محمد ومذهب الكيسانية قوله: ألا حي المقيم بشعب رضوى * وأهدله بمنزلة السلاما (3) أضر بمعشر والوك منها * وسموك الخليفة والاماما وعادوا فيك أهل الارض طرا * مقامك عندهم سعبين عاما لقد أضحى بمورق شعب رضوى * تراجعه الملائكة الكلاما وما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما وإن له بها لمقيل صدق * وأندية يحدثه الكراما وله أيضا - وقد روى عبد الله بن عطاء بن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال: أنا دفنت عمي محمد بن الحنفية ونفضت يدي من تراب قبره فقال -: نبئت أن ابن عطاء روى * وربما صرح بالمنكر لما روى أن أبا جعفر * قال ولم يصدق ولم يبرر

 

(1) في المصدر: الحميرى الشاعر رحمه الله. (2) =: وتبرأ منه. (3) رضوى - بفتح اوله وسكون ثانية - جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع على مسيرة يوم منها يزعم الكيسانية أن محمد بن الحنفية مقيم به حى يرزق - هدل الشئ: ارسله إلى اسفل وارخاه. وفى المصدر: وأهله. وفيه بعد هذا البيت: وقل يا ابن الوصي فدتك نفسي * أطلت بذلك الجبل المقاما

 

[4]

دفنت عمي ثم غادرته (1) * صفيح لبن وتراب ثرى ما قاله قط ولو قاله * قلت اتقاء من أبي جعفر وله عند رجوعه إلى الحق (2) تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت دانيا * به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت له له هبني تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر فلست بغال ما حييت وراجعا (3) * إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر ولا قائلا قولا لكيسان بعدها * وإن عاب جهال مقالي وأكبروا ولكنه عني مضى لسبيله * على أحسن الحالات يقفى ويؤثر (4) وكان كثير عزة كيسانيا ومات على ذلك، وله في مذهب الكيسانية قوله: ألا إن الائمة من قريش * ولاة الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * هم الاسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط أيمان وبر * وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الخيل يقدمها اللواء يغيب فلا يرى فيهم زمانا * برضوى عنده غيل وماء (6) قال الشيخ أدام الله عزه: وأنا أعترض على أهل هذه الطائفة مع اختلافها في مذاهبها بما أدل به على فساد أقوالها بمختصر من القول وإشارة إلى معاني الحجاج دون استيعاب ذلك وبلوغ الغاية، إذ ليس غرضي القصد لنقض المذاهب الشاذة

 

(1) غادره: تركه وأخفاه. (2) في المصدر بعد ذلك: وفراقه الكيسانية. (3) =: وراجع. (4) =: ولكنه من قد مضى لسبيله. (5) هو كثير بن عبد الرحمان بن الاسود بن عامر الخزاعى، اخباره مع عزة بنت جميل الضمرية كثيرة حتى انه انتسب إليها واشتهر بهذا الاسم (الاغانى 258). (6) الغيل: الماء الجارى على وجه الارض وسيأتى له معنى آخر في البيان. وفى المصدر: عسل وماء.

 

[5]

النظام عن الامامة (1) في هذا الكتاب، وإنما غرضي حكايتها، فأحببت أن لا اخليها من رسم لمع من الحجج (2) على ما ذكرت وبالله التوفيق. مما يدل على بطلان قول الكيسانية في إمامة محمد رحمة الله عليه أنه لو كان على ما زعموا إماما معصوما يجب على الامة طاعته، لوجب النص عليه أو ظهور العلم الدال على صدقه، إذ العصمة لا تعلم بالحس ولا تدرك من ظاهر الخلقة، وإنما تعلم بخبر علام الغيوب المطلع على الضمائر (3) أو بدليله سبحانه على ذلك، وفي عدم النص على محمد من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو من أبيه عليه السلام أو من أخويه عليهما السلام أيضا (4) دليل على بطلان مقال من ذهب إلى إمامته، وكذلك عدم الخبر المتواتر بمعجز ظهر عليه عند دعوته إلى إمامته أن لو كان ادعاها (5) برهان على ما ذكرناه، مع أن محمدا لم يدع قط الامامة لنفسه، ولا دعا أحدا إلى اعتقاد ذلك فيه، وقد كان سئل عن ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره بالخروج والطلب بثار الحسين عليه السلام وأنه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته، عن ذلك وصحته، فأنكره وقال لهم: والله ما أمرته بذلك لكني لا ابالي أن يأخذ بثأرنا كل أحد، وما يسوؤني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا، فاعتمد السائلون له على ذلك - وكانوا كثيرة قد رحلوا إليه لهذا المعنى بعينه على ما ذكره أهل السير - ورجعوا، فنصر أكثرهم المختار على الطلب بدم أبي عبد الله الحسين عليه السلام ولم ينصروه على القول بإمامة أبي القاسم، ومن قرأ الكتب وعرف الآثار وتصفح الاخبار وما جرى عليه أمر المختار لم يخف عليه هذا الفصل الذي ذكرناه، فكيف يصح القول بإمامة محمد مع ما وصفناه ؟ فأما ما تعلقوا به فيما ادعوه من إمامته من قول أمير المؤمنين عليه السلام له يوم البصرة وقد أقدم بالراية: " أنت ابني حقا " فإنه جهل منهم بمعاني الكلام وعجرفة في النظر

 

(1) في المصدر: الشاذة عن النظام عن الامامة. (2) =: يبلغ من الحجج. (3) =: المطلع على السرائر. (4) ليست كلمة " ايضا " في المصدر. (5) كذا في النسخ، وفى المصدر. إذ لو كان ادعاؤها برهانا اه‍.

 

[6]

والحجاج، وذلك أن النص لا يعقل من ظاهر هذا الكلام ولا من فحواه على معقول أهل اللسان، ولا من تأويله على شئ من اللغات، ولا فصل بين من ادعى أن الامامة تعقل من هذا اللفظ وأن النص بها يستفاد منه وبين من زعم أن النبوة تعقل منه وتستفاد من معناه، إذ تعريه من الامرين جميعا على حد واحد. فإن قال منهم قائل: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما كان إماما وقال لابنه محمد: " أنت ابني حقا " دل بذلك (1) على أنه إنما شبهه به في الامامة لا غير وكان (2) هذا القول منه تنبيها على استخلافه له على حسب ما رتبناه، قيل له: لم زعمت (3) أنه لما أضافه إلى نفسه وشبهه بها دل على أنه أراد التشبيه له بنفسه في الامامة دون غير هذه الصفة من صفاته عليه السلام وما أنكرت (4) أنه أراد تشبيهه به في الصورة دون ما ذكرت ؟ فإن قال: إنه لم يجر في تلك الحال (5) ذكر الصورة ولا ما يقتضي (6) أن يكون أراد تشبيهه به فيها بالاضافة التي ذكرها، فكيف يجوز حمل كلامه على ذلك ؟ قيل له: وكذلك لم يجر في تلك الحال للامامة ذكر فيكون إضافته له إلى نفسه (7) بالذكر دليلا على أنه أراد تشبيهه به فيها (8). على أن لكلامه عليه السلام معنى معقولا لا يذهب عنه (9) منصف، وذلك أن محمدا لما حمل الراية ثم صبر حتى كشف أهل البصرة فأبان من شجاعته وبأسه ونجدته ما كان مستورا سر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام فأحب أن يعظمه (10) ويمدحه على فعله فقال له: " أنت ابني حقا " يريد عليه السلام به أنك أشبهتني في الشجاعة والبأس والنجدة (11)، وقيل

 

(1) في المصدر: دل ذلك. (2) =: فكان. (3) =: على حسب ما بيناه، قيل لهم: لم زعمتم اه‍. (4) أي: لم أنكرت، وكذا فيما سيأتي (ب). (5) في المصدر: في تلك الحالة. (6) أي ولم يجر في المقام ما يقتضى. وفى المصدر: ولا يقتضى. (7) في المصدر: فتكون اضافته إلى نفسه. (8) أي في الامامة. (9) أي لا يعرض عنه. (10) في المصدر: ان يعظمه بذلك. (11) النجدة: الشجاعة. الشدة والبأس.

 

[7]

من أشتبه أباه (1) فما ظلم، وقيل: إن من نعمة الله (2) على العبد أن يشبه أباه ليصح نسبه، فكان الغرض المفهوم من قول أمير المؤمنين عليه السلام التشبيه لمحمد به في الشجاعة، والشهادة له بطيب المولد، والقطع على طهارته، والمدحة له بما تضمنه الذكر من إضافته، ولم يجر للامامة ذكر ولا كان هناك سبب يقتضي حمل الكلام على معناها، ولا تأويله على فائدة يقتضيها، وإذا كان الامر على ما وصفناه سقطت شبهتهم في هذا الباب. ثم يقال لهم: فإن أمير المؤمنين عليه السلام قال في ذلك اليوم بعينه في ذلك الموطن نفسه بعد أن قال لمحمد المقال الذي رويتموه (3) للحسن والحسين عليهما السلام وقد رأى فيهما انكسارا عند مدحه لمحمد: " وأنتما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فإن كان إضافة محمد رحمه الله إليه بقوله: " أنت ابني حقا " يدل على نصه عليه فإضافة الحسن والحسين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أنه قد نص على نبوتهما ! إذ كان الذي أضافهما إليه نبيا ورسولا وإماما، فإن لم يجب ذلك بهذه الاضافة لم يجب بتلك ما ادعوه، وهذا بين لمن تأمله. وأما اعتمادهم على اعطائه الراية يوم البصرة وقياسهم إياه بأمير المؤمنين عليه السلام عند ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رايته فإن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وإعطاءه أمير المؤمنين عليه السلام الراية لا يدل على أنه الخليفة من بعده، ولو دل على ذلك لزم (4) أن يكون كل من حمل الراية في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منصوصا عليه بالامامة ! وكل صاحب راية كان لامير المؤمنين عليه السلام مشارا إليه بالخلافة ! وهذا جهل لا يرتكبه عاقل، مع أنه يلزم هذه الفرقة أن يكون محمد إماما للحسن والحسين عليهما السلام وأن لا تكون لهما إمامة البتة، لانهما لم يحملا الراية وكانت الراية له دونهما، وهذا قول لا يذهب إليه إلا من شذ من الكيسانية على ما حكيناه، وقول اولئك ينتقض (5) بالاتفاق على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين: " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا " وبالاتفاق على وصية أمير المؤمنين

 

(1) في المصدر: وقد قيل: إن من أشبه أباه اه‍. (2) =: إن من نعم الله. (3) في المصدر: رسموه. (4) =: لوجب. (5) في (م) و (د) منتقض. وفى المصدر: منقوض.

 

[8]

إلى الحسن ووصية الحسن إلى الحسين عليهم السلام وبقيام الحسن عليه السلام بالامامة بعد أبيه، ودعائه الناس إلى بيعته على ذلك، وبقيام الحسين عليه السلام من بعده وبيعة الناس له على الامر (1) دون محمد حتى قتل، من غير رجوع من هذا القول، مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله فيهما الدال على عصمتهما وأنهما لا يدعيان باطلا حيث يقول: " ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة ". وأما تعلقهم بقول النبي صلى الله عليه وآله: " لن تنقضي الايام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي " إلى آخر الكلام فإن بإزائهم الزيدية يدعون ذلك في محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وهم أولى به منهم، لان أبا محمد كان اسمه المعروف به عبد الله، وكان أمير المؤمنين اسمه عليا، وإنما انضاف إلى الله بالعبودية (2)، وإن كان لاضافته في هذا الموضع معنى يزيد على ما ذكرناه، ليست بنا حاجة إلى الكشف عنه في حجاج هؤلاء القوم، مع أن الامامية الاثني عشرية أولى به في الحقيقة من الجميع، لان صاحبهم اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله، وكنيته كنيته، وأبوه عبد من عبيد الله، وهم يقولون بالعصمة وجميع اصول الامامة، ويضمون مع الاخبار الواردة بالنصوص على الائمة، وينقلون فضائل من تقدم القائم من آبائه عليهم السلام ومعجزاتهم وعلومهم التي بانوابها من الرعية، ولا يدفعون ضرورة من موت حي، ولا يقدمون على تضليل معصوم وتكذيب إمام عدل، والكيسانية بالضد (3) مما حكيناه، فلا معتبر بتعلقهم بظاهر لفظ قد تحدثته الفرق، إذ المعتمد هو الحجة والبرهان ولم يأت القوم بشئ منه فيكون عذرا لهم فيما صاروا إليه. وأما تعلقهم في حياته بما ادعوه من إمامته وبناؤهم على ذلك أنه القائم من آل محمد فإنا قد أبطلنا ذلك بما تقدم من مختصر القول فيه، فسقط بسقوطه وبطلانه، ومما يدل أيضا على فساده تواتر الخبر بنص أبي جعفر الباقر على ابنه الصادق عليهما السلام بالامامة،

 

(1) في المصدر: بالامر. (2) في المصدر بعد ذلك: كما انضاف جميع العباد إلى الله بالعبودية. (3) =: على الضد.

 

[9]

ونص الصادق على ابنه موسى، (1) ونص موسى على علي، وبظاهر الخبر عمن ذكرناه بالعلوم الدالة على إمامتهم، والمعجزات المنبئة عن حقهم (2) وصدقهم، مع الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله بالنص عليهم من حديث اللوح، وما رواه عبد الله بن مسعود ووصفه سلمان من ذكر أعيانهم وأعدادهم، وقد أجمع من ذكرناه بأسرهم والائمة من ذريتهم وجميع أهل بيتهم على موت أبي القاسم، وليس يصح أن يكون اجماع هؤلاء باطلا، ويؤيد ذلك أن الكيسانية في وقتنا هذا لا بقية لهم ولا يوجد عدد منهم يقطع العذر بنقله، بل لا يوجد أحد منهم يدخل في جملة أهل العلم، بل لا نجد أحدا منهم جملة، وإنما مع الناس (3) الحكاية عنهم خاصة، ومن كان بهذه المنزلة لم يجز أن يكون ما اعتمده من طريق الرواية حقا، لانه لو كان كذلك لما بطلت الحجة عليه بانقراض أهله، وعدم تواترهم، فبان بما وصفناه أن مذهب القوم باطل لم يحتج الله به على أحد، ولا ألزمه اعتقاده على ما حكيناه. قال الشيخ أدام الله عزه: ثم لم تزل الامامة على القول بنظام الامامة حتى افترقت كلمتها بعد وفاة أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فقال فرقة منها: أن أبا عبد الله حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، لانه القائم المهدي وتعلقوا بحديث رواه رجل يقال له عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إن جاءكم من يخبركم عني بأنه غسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه " وهذه الفرقة تسمى الناووسية، وإنما سميت بذلك لان رئيسهم في هذه المقالة رجل من أهل البصرة يقال له عبد الله بن ناووس. وقالت فرقة اخرى: إن أبا عبد الله عليه السلام توفي ونص على ابنه إسماعيل بن جعفر، وإنه الامام بعده، وهو القائم المنتظر، وإنما لبس على الناس في أمره لامر رآه أبوه.

 

(1) في المصدر: على ابنه الكاظم. (2) =: عن حقوقهم. (3) =: وانما يقع من الناس.

 

[10]

وقال فريق منهم: إن إسماعيل قد كان توفي على الحقيقة في زمن أبيه، غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد، وكان (1) الامام بعده، وهؤلاء هم القرامطة وهم المباركية، فنسبهم إلى القرامطة برجل من أهل السواد يقال له قرمطويه، ونسبهم إلى المباركية برجل يسمى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر، والقرامطة أخلاف المباركية والمباركية سلفهم. وقال فريق من هولاء: إن الذي نص على محمد بن إسماعيل هو الصادق عليه السلام دون إسماعيل، وكان ذلك الواجب عليه، لانه أحق بالامر بعد أبيه من غيره، ولان الامامة لا يكون في أخوين بعد الحسن والحسين، وهؤلاء الفرق الثلاث هم الاسماعيلية، وإنما سموا بذلك لادعائهم إمامة إسماعيل، فأما علتهم في النص على إسماعيل فهي أن قالوا: كان إسماعيل أكبر ولد جعفر، وليس يجوز أن ينص على غير الاكبر، قالوا: وقد أجمع من خالفنا على أن أبا عبد الله نص على إسماعيل، غير أنهم ادعوا أنه بدا لله فيه، وهذا قول لا نقبله منهم. وقالت قرقة اخرى: إن أبا عبد الله توفي وكان الامام بعده محمد بن جعفر، واعتلوا في ذلك بحديث تعلقوا به، وهو أن أبا عبد الله على ما زعموا كان في داره جالسا فدخل عليه محمد وهو صبي صغير، فعدا إليه فكبا (2) في قميصه ووقع لوجهه (3)، فقام إليه أبو عبد الله فقبله ومسح التراب عن وجهه وضمه إلى صدره وقال: سمعت أبي يقول: إذا ولد لك ولد يشبهني فسمه باسمي، وهذا الولد شبيهي وشبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى سنته (4)، وهذه الفرقة تسمى السبطية (5) لنسبتها إلى رئيس لها كان يقال له: يحيى بن أبي السبط (6).

 

(1) في المصدر: فكان. (2) أي انكب. (3) في المصدر: ووقع لحر وجهه. (4) = بعد ذلك: وشبيه على. (5) =: الشمطية (السمطية خ ل). (6) =: لنسبتها إلى رجل يقال له يحيى بن ابى السمط وهو رئيسهم.

 

[11]

وقالت فرقة اخرى: إن الامام بعد أبي عبد الله ابنه عبد الله بن جعفر، واعتلوا في ذلك بأنه كان أكبر ولد أبي عبد الله، وأن أبا عبد الله عليه السلام قال: الامامة لا تكون إلا في الاكبر من ولد الامام ! وهذه الفرقة تسمى الفطحية، وإنما سميت بذلك لان رئيسا لها يقال له عبد الله بن أفطح، ويقال: إنه كان أفطح الرجلين (1)، ويقال: بل كان أفطح الرأس، ويقال: إن عبد الله كان هو الافطح. قال الشيخ أدام الله عزه: فأما الناووسية فقد ارتكبت في إنكارها وفاة أبي عبد الله عليه السلام ضربا من دفع الضرورة وإنكار المشاهدة، لان العلم بوفاته كالعلم بوفاة أبيه من قبله، ولا فرق بين هذه الفرقة وبين الغلاة الدافعين لوفاة أمير المؤمنين عليه السلام وبين من أنكر مقتل الحسين عليه السلام ودفع ذلك وادعى أنه كان مشبها للقوم، فكل شئ جعلوه فصلا بينهم وبين من ذكرناه فهو دليل على بطلان ما ذهبوا إليه في حياة أبي عبد الله عليه السلام، وأما الخبر الذي تعلقوا به فهو خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ولو رواه ألف إنسان وألف ألف لما جاز أن يجعل ظاهره حجة في دفع الضرورات وارتكاب الجهالات بدفع المشاهدات، على أنه يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما صدر من أبي عبد الله عند توجهه إلى العراق ليؤمنهم من موته في تلك الاحوال، ويعرفهم رجوعه إليهم من العراق، ويحذرهم من قبول أقوال المرجفين به (2) المؤدية إلى الفساد، ولا يجب أن يكون ذلك مستغرقا لجميع الازمان، وأن يكون على العموم في كل حال، ويحتمل أن يكون أشار إلى جماعة علم أنهم لا يبقون بعده وأنه يتأخر عنهم فقال: " من جاءكم من هؤلاء " فقد جاء في بعض الاسانيد " من جاءكم منكم " وفي بعضها " من جاءكم من أصحابي " وهذا يقتضي الخصوص. وله وجه آخر وهو أنه عنى بذلك كل الخلق ما سوى الامام القائم من بعده لانه ليس يجوز أن يتولى غسل الامام وتكفينه ودفنه إلا الامام القائم مقامه عليه السلام إلا أن تدعو ضرورة إلى غير ذلك، فكأنه أنبأهم بأنه لا ضرورة تمنع القائم من بعده عن

 

(1) الافطح: العريض. (2) أرجف: خاض في الاخبار السيئة والفتن قصد أن يهيج الناس.

 

[12]

تولي أمره بنفسه، وإذا كان الخصوص قد يكون في كتاب الله عزوجل مع ظاهر القول للعموم وجاز أن يخص القرآن ويصرف عن ظواهره على مذهب أصحاب العموم بالدلائل فلم لا جاز الانصراف عن ظاهر قول أبي عبد الله عليه السلام إلى معنى يلائم الصحيح ولا يحمل على وجه يفسد المشاهدات ويسد على العقلاء باب الضرورات، وهذا كاف في هذا الموضع إن شاء الله، مع أنه لا بقية للناووسية، ولم يكن في الاصل أيضا كثرة، ولا عرف منهم رجل مشهور بالعلم، ولا قرئ لهم كتاب، وإنما هي حكاية إن صحت فعن عدد يسير لم يبرز قولهم حتى اضمحل وانتقض، وفي هذا كفاية عن الاطالة في نقضه. وأما ما اعتلت به الاسماعيلية من أن إسماعيل - رحمه الله - كان الاكبر وأن النص يجب أن يكون الاكبر فلعمري إن ذلك يجب إذا كان الاكبر باقيا بعد الوالد، فأما إذا كان المعلوم من حاله أنه يموت في حياته ولا يبقى بعده فليس يجب ما ادعوه، بل لا معنى للنص عليه، ولو وقع لكان كذبا، لان معنى النص أن المنصوص عليه خليفة الماضي فيما كان يقوم به، وإذا لم يبق بعده لم يكن خليفة، ويكون (1) النص حينئذ عليه كذبا لا محالة، وإذا علم الله سبحانه أنه يموت قبل الاول وأمره باستخلافه كان الامر بذلك عبثا مع كون النص كذبا، لانه لا فائدة فيه ولا غرض صحيح فبطل ما اعتمدوه في هذا الباب. وأما ما ادعوه من تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه فإنهم ادعوا في ذلك باطلا وتوهموا فاسدا من قبل أنه ليس أحد من أصحابنا يعترف بأن أبا عبد الله عليه السلام نص على ابنه إسماعيل، ولا روى راو ذلك في شاذ من الاخبار ولا في معروف منها، وإنما كان الناس في حياة إسماعيل يظنون أن أبا عبد الله ينص عليه لانه أكبر أولاده، وبما كانوا يرونه من تعظيمه، فلما مات إسماعيل زالت ظنونهم وعلموا أن الامامة في غيره فتلعق هؤلاء المبطلون بذلك الظن وجعلوه أصلا، وادعوا أنه قد وقع النص، وليس معهم في ذلك خبر ولا أثر (2) يعرفه أحد من نقلة الشيعة، وإذا كان

 

(1) المصدر: فيكون. (2) =: أثر ولا خبر.

 

[13]

معتمدهم على الدعوى المجردة عن البرهان فقد سقط بما ذكرناه. فأما الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام من قوله: " ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل " فإنها على غير ما توهموه أيضا من البداء في الامامة، وإنما معناها ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إن الله عزوجل كتب القتل على ابني إسماعيل مرتين، فسألته فيه فرقا (1)، فما بدا له في شئ كما بدا له في إسماعيل " يعني به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوبا فصرفه عنه بمسألة أبي عبد الله عليه السلام فأما الامامة فإنه لا يوصف الله عزوجل بالبداء فيها (2) وعلى ذلك إجماع فقهاء الامامية، ومعهم فيه أثر عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: " مهما بدا لله في شئ فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته ولا مؤمن قد أخذ عهده بالايمان عن إيمانه " وإذا كان الامر على ما ذكرناه فقد بطل أيضا هذا الفصل الذي اعتمدوه وجعلوه دلالة على نص أبي عبد الله عليه السلام على إسماعيل. فأما من ذهب إلى إمامة محمد بن إسماعيل بنص أبيه عليه فإنه منتقض القول فاسد الرأي، من قبل أنه إذا لم يثبت لاسماعيل إمامة في حياة أبي عبد الله عليه السلام لاستحالة وجود إمامين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمان واحد لم يجز أن يثبت إمامة محمد، لانها تكون حينئذ ثابتة بنص غير إمام، وذلك فاسد في النظر الصحيح. وأما من زعم بأن أبا عبد الله عليه السلام نص على محمد بن إسماعيل بعد وفاة أبيه فإنهم لم يتعلقوا في ذلك بأثر، وإنما قالوه قياسا على أصل فاسد، وهو ما ذهبوا إليه من حصول النص على أبيه إسماعيل (3)، فزعموا أن العدل يوجب بعد موت إسماعيل النص على ابنه لانه أحق الناس به، وإذا كنا قد بينا عن بطلان قولهم فيما ادعوا من النص على إسماعيل فقد فسد أصلهم الذي بنوا عليه الكلام، على أنه لو ثبت ما ادعوه من نص ابي عبد الله على ابنه إسماعيل لما صح قولهم في وجوب النص على محمد ابنه من بعده، لان الامامة والنصوص ليستا موروثتين على حد ميراث الاموال ولو كانت كذلك

 

(1) في المصدر: فعفا عن ذلك. (2) =: وأما الامامة فانه لا يوصف الله عزوجل فيه بالبداء. (3) =: على ابنه إسماعيل. فيكون مرجع الضمير أبا عبد الله عليه السلام.

 

[14]

لاشترك فيها ولد الامام، وإذا لم تكن موروثة وكانت إنما تجب لمن له صفات مخصوصة ومن أوجبت المصلحة إمامته فقد بطل أيضا هذا المذهب. وأما من ادعى إمامة محمد بن جعفر، عليه السلام بعد أبيه فإنهم شذاذ جدا، قالوا بذلك زمانا مع قلة عددهم وإنكار الجماعة عليهم، ثم انقرضوا حتى لم يبق منهم أحد يذهب إلى هذا المذهب، وفي ذلك بطلان مقالتهم (1)، لانها لو كانت حقا لما جاز أن يعدم الله تعالى أهلها (2) كافة حتى لم يبق (3) منهم من يحتج بنقله، مع أن الحديث الذي رووه لا يدل على ما ذهبوا إليه لو صح وثبت، فكيف وليس هو حديثا معروفا ولا رواه محدث مذكور، وأكثر ما فيه عند ثبوت الرواية أنه خبر واحد وأخبار الآحاد لا يقطع على الله عزوجل بصحتها، ولو كان صحيحا أيضا لما كان من متضمنه (4) دليل الامامة، لان مسح أبي عبد الله التراب عن وجه ابنه ليس بنص عليه في عقل ولا سمع ولا عرف ولا عادة. وكذلك ضمه إلى صدره، وكذلك قوله: " إن أبي أخبرني أن سيولد لي ولد يشبهه، وإنه أمره بتسميته باسمه، وإنه أخبره أنه يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (5) " ولا في مجموع هذا كله دلالة على الامامة في ظاهر قول وفعل ولا في تأويله، وإذا لم يكن في ذلك دلالة على ما ذهبوا إليه بان بطلانه، مع أن محمد بن جعفر خرج بالسيف بعد أبيه ودعا إلى إمامته، وتسمى بإمره المؤمنين ! ولم يتسم بذلك أحد ممن خرج من آل أبي طالب، ولا خلاف بين أهل الامامة أن من تسمى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين عليه السلام فقد أتى منكرا، فكيف يكون هذا على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (6)، لولا أن الراوي لهذا الحديث قد وهم فيه أو تعمد الكذب. وأما الفطحية فإن أمرها أيضا واضح، وفساد قولها غير خاف ولا مستور عمن تأمله، وذلك أنهم لم يدعوانصا من أبي عبد الله عليه السلام على عبد الله، وإنما عملوا على ما رووه من أن

 

(1) في المصدر: ابطال مقالتهم. (2) =: لما جاز لله أن يعدم أهلها. (3) =: لا يبقى. (4) =: في متضمنه. (5) =: على شبه رسول الله صلى الله عليه وآله. (6) =: شبه رسول الله صلى الله عليه وآله.

 

[15]

الامامة تكون في الاكبر، وهذا حديث لم يرو قط إلا مشروطا، وهو أنه قد ورد أن الامامة تكون في الاكبر ما لم تكن به عاهة، وأهل الامامة القائلون بإمامة موسى عليه السلام متواترون بأن عبد الله كان به عاهة في الدين، لانه كان يذهب إلى مذهب المرجئة الذين يقفون في علي عليه السلام وعثمان، وأن أبا عبد الله عليه السلام قال وقد خرج من عنده عبد الله: " هذا مرجئ كبر " وأنه دخل عليه يوما (1) وهو يحدث أصحابه فلما رآه سكت حتى خرج، فسئل عن ذلك فقال: أو ما علمتم أنه من المرجئة ؟ هذا مع أنه لم يكن له من العلم ما يتخصص به من العامة، ولا روي عنه شئ من الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الاحكام، وقد ادعى الامامة بعد أبيه فامتحن بمسائل صغار فلم يجب عنها ولا تأتى للجواب، فأي علة أكثر مما ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل ؟ مع أنه لو لم يكن علة تمنع من إمامته لما جاز من أبيه صرف النص عنه، ولو لم يكن قد صرفه عنه لاظهر فيه، ولو أظهره لنقل وكان معروفا في أصحابه، وفي عجز القوم عن التعلق بالنص عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه. قال الشيخ أدام الله عزه: ثم لم تزل الامامية بعد من ذكرناه على نظام الامامة حتى قبض موسى بن جعفر عليهما السلام فافترقت بعد وفاته فرقا، قال جمهورهم بإمامة أبي الحسن الرضا عليه السلام ودانوا بالنص عليه وسلكوا الطريقة المثلى (2) في ذلك، وقال جماعة منهم بالوقف على أبي حسن موسى عليه السلام، وادعوا حياته وزعموا أنه هو المهدي المنتظر وقال فريق منهم: أنه قد مات وسيبعث وهو القائم بعده، واختلفت الواقفة في الرضا عليه السلام ومن قام من آل محمد بعد أبي الحسن موسى عليه السلام (3) فقال بعضهم: هؤلاء خلفاء أبي الحسن وامراؤه وقضاته إلى أوان خروجه، وإنهم ليسوا بأئمة وما ادعوا الامامة قط، وقال الباقون: إنهم ضالون مخطؤون ظالمون، وقالوا في الرضا عليه السلام خاصة قولا عظيما، وأطلقوا تكفيره وتكفير من قام بعده من ولده ! وشذت فرقة ممن كان على الحق إلى

 

(1) في المصدر: وانه دخل عليه عبد الله يوما. (2) مؤنت الامثل: الافضل. (3) في المصدر: واختلفت الواقفة في الرضا عيله السلام بعد أبيه أبى الحسن موسى عليه السلام.

 

[16]

قول سخيف جدا، فأنكروا موت أبي الحسن وحبسه وزعموا أن ذلك كان تخييلا للناس ! وادعوا أنه حي غائب وأنه هو المهدي، وزعموا أنه استخلف على الامر محمد بن بشير (1) مولى بني أسد، وذهبوا إلى الغلو والقول بالاتحاد (2)، ودانوا بالتناسخ. واعتلت الواقفة فيما ذهبت إليه بأحاديث رووها عن أبي عبد الله عليه السلام منها أنهم حكوا عنه أنه لما ولد موسى بن جعفر عليه السلام دخل أبو عبد الله عليه السلام على حميدة البربرية ام موسى عليه السلام فقال لها: يا حميدة بخ بخ حل الملك في بيتك، قالوا: وسئل عن اسم القائم فقال: اسمه اسم حديدة الحلاق، فيقال: لهذه الفرقة ما الفرق بينكم (3) وبين الناووسية الواقفة على أبي عبد الله عليه السلام والكيسانية الواقفة على أبي القاسم بن الحنفية، والمفوضة المنكرة لوفاة أبي عبد الله الحسين الدافعة لقتله، والسبأية المنكرة لوفاة أمير المؤمنين عليه السلام المدعية حياته، والمحمدية النافية لموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتدينة بحياته ؟ وكل شئ راموا به كسر مذاهب من عددناه (4) فهو كسر لمذاهبهم ودليل على إبطال مقالتهم. ثم يقال لهم فيما تعلقوا به من الحديث الاول: ما أنكرتم أن يكون الصادق عليه السلام أراد بالملك الامامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر وملك الامر والنهي ؟ وأي دليل في قوله لحميدة: " حل الملك في بيتك " على أنه نص على أنه القائم بالسيف ؟ أما سمعتم الله تعالى يقول: " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (5) " وإنما اراد ملك الدين والرئاسة على العالمين (6)، وأما قوله: وقد سئل عن القائم (7) فقال: اسمه اسم حديدة الحلاق فإنه إن صح ذلك (8) - على أنه غير معروف -

 

(1) في المصدر: محمد بن بشر وسيأتى ترجمته في البيان. (2) كذا في (ك) و (ت) وفى غيره من النسخ وكذا المصدر: والقول بالاباحة. (3) في المصدر: ما الفصل بينكم. (4) =: من عددناهم. (5) سورة النساء: 54. (6) في المصدر: والرئاسة فيه على العالمين. (7) =: عن اسم القائم. (8) =: ان صح وثبت ذلك.

 

[17]

فإنما أشار به إلى القائم بالامامة بعده، ولم يشر إلى القائم بالسيف، وقد علمنا أن كل إمام فهو قائم بالامر بعد أبيه، فأي حجة فيما تعلقوا به لولا عمى القلوب ؟ على أنه يقال لهم (1): ما الدليل على إمامة أبي الحسن موسى عليه السلام ؟ وما البرهان على أن أباه نص عليه ؟ فبأي شئ تعلقوا في ذلك واعتمدوا عليه أريناهم بمثله إمامة الرضا عليه السلام (2) وثبوت النص من أبيه عليه السلام، وهذا ما لا يجدون منه مخلصا. وأما من زعم أن الرضا عليه السلام ومن بعده كانوا خلفاء أبي الحسن موسى عليه السلام ولم يدعوا الامر لانفسهم فإنه قول مباهت لا يفكر في دفعه بالضرورة (3)، لان جميع شعية هؤلاء القوم وغير شيعتهم من الزيدية الخلص ومن تحقق بالنظر يعلم يقينا أنهم كانوا ينتحلون الامامة، وأن الدعاة إلى ذلك خاصتهم من الناس، ولا فصل بين هذه (4) في بهتها وبين الفرقة الشاذة من الكيسانية فيما ادعوه من أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا خلفاء محمد، وأن الناس لم يبايعوهما على الامامة لانفسهم ! وهذا قول وضوح فساده يغني عن الاطناب فيه. وأما البشيرية (5) فإن دليل وفاة أبي الحسن وإمامة الرضا عليهما السلام وبطلان الحلول والاتحاد ولزوم الشرائع وفساد الغلو والتناسخ يدل بمجموع ذلك وبآحاده على فساد ما ذهبوا إليه. قال الشيخ أدام الله عزه: ثم إن الامامية استمرت على القول باصول الامامة طول أيام أبي الحسن الرضا عليه السلام فلما توفي وخلف ابنه أبا جعفر عليه السلام وله عند وفاة أبيه سبع سنين اختلفوا وتفرقوا ثلاث فرق: فرقة مضت على سنن القول في الامامة ودانت

 

(1) في المصدر: مع أنه يقال لهم. (2) =: صحة امامة الرضا عليه السلام. (3) كذا في (ك)، وفى (م) و (د): لا ينكر في دفع الضرورة. وفى المصدر: لا يذكر في دفع الضرورة. (4) في المصدر: ولا فصل بين هذه الفرق. (5) =: وأما البشرية.

 

[18]

بإمامة أبي جعفر عليه السلام ونقلت النص عليه، وهم أكثر الفرق (1) عددا، وفرقة ارتدت إلى قول الواقفة ورجعوا عما كانوا عليه من إمامة الرضا عليه السلام، وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى وزعموا أن الرضا عليه السلام كان وصى إليه ونص بالامامة عليه، واعتل الفريقان الشاذان عن أصل الامامة بصغر سن أبي جعفر عليه السلام وقالوا: ليس يجوز أن يكون الامام (2) صبيا لم يبلغ الحلم فيقال لهم ما سوى الراجعة إلى مذاهب الوقف (3) كما قيل للواقفة: دلوا بأي دليل شئتم إلى إمامة الرضا عليه السلام حتى نريكم بمثله إمامة أبي جعفر عليه السلام، وبأي شئ طعنتم على نقل النص على أبي جعفر عليه السلام، فإن الواقفة تطعن بمثله في نقل النص على أبي الحسن الرضا عليه السلام ولا فصل في ذلك. على أن ما اشتبه عليهم من جهة سن أبي جعفر فإنه بين الفساد، وذلك أن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله مع الصغر السن، قال الله عزوجل: " قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (4) " فخبر عن المسيح بالكلام في المهد، وقال في قصة يحيى: " وآتيناه الحكم صبيا (5) " وقد أجمع جمهور الشيعة مع سائر من خالفهم على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليا صغير السن (6)، ولم يدع من الصبيان غيره، وباهل بالحسن والحسين عليهما السلام وهما طفلان، ولم ير مباهل قبله ولا بعده باهل بالاطفال، وإذا كان الامر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه على ما شرحناه بطل ما تعلق به هؤلاء القوم، على أنهم إن أقروا بظهور المعجزات عن الائمة عليهم السلام وخرق العادات لهم وفيهم بطل أصلهم الذي اعتمدوا (7) في إنكار إمامة أبي جعفر عليه السلام، وإن أبوا ذلك لحقوا بالمعتزلة في إنكار المعجزات (8) إلا على الانبياء عليهم السلام،

 

(1) في المصدر: وهى اكثر الفرق. (2) =: أن يكون إمام الزمان اه‍. (3) =: إلى التوقيف. (4) سورة مريم: 29 و 30. (5) = =: 12. (6) في المصدر: وهو صغير السن. (7) =: اعتمدوا عليه. (8) =: في انكار المعجز.

 

[19]

وكلموا بما يكلم به إخوانهم من أهل النصب (1)، وهذا المقدار يكفي بمشيئة الله في نقض ما اعتمدوه بما حكيناه. قال الشيخ أدام الله عزه: ثم ثبتت الامامية القائلون بإمامة أبي جعفر عليه السلام بأسرها على القول بإمامة أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام من بعد أبيه، ونقل النص عليه إلا فرقة قليلة العدد شذوا عن جماعتهم، فقالوا بإمامة موسى بن محمد أخي أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام، ثم إنهم لم يثبتوا على هذا القول إلا قليلا حتى رجعوا إلى الحق، ودانوا بإمامة علي بن محمد، ورفضوا القول بإمامة موسى بن محمد، وأقاموا جميعا على إمامة أبي الحسن عليه السلام، فلما توفي تفرقوا بعد ذلك فقال الجمهور منهم بإمامة ابي محمد الحسن بن على عليه السلام ونقلوا النص (2) وأثبتوه، وقال فريق منهم: الامام (3) بعد أبي الحسن محمد بن علي أخو أبي محمد، وزعموا أن أباه عليا نص عليه في حياته، وهذا محمد كان قد توفي في حياة أبيه، فدفعت هذه الفرقة وفاته، وزعموا أنه لم يمت وأنه حي، وهو الامام المنتظر ! وقال نفر من الجماعة شذوا أيضا عن الاصل أن الامام بعد محمد بن علي بن محمد بن علي بن موسى أخوه جعفر بن علي، وزعموا أن أباه نص عليه بعد محمد (4)، وأنه قائم بعد أبيه، فيقال لهذه الفرقة الاولى (5): لم زعمتم أن الامام بعد أبي الحسن ابنه محمد ؟ وما الدليل على ذلك ؟ فان ادعوا النص طولبوا بلفظه والحجة عليه، ولن يجدوا لفظا يتعلق به (6) في ذلك ولا تواترا يعتمدون عليه، لانهم أنفسهم من الشذوذ، والقلة على حد ينفي عنهم التواتر القاطع للعذر في العدد، مع أنهم قد انقرضوا فلا بقية لهم، وذلك مبطل أيضا ما ادعوه، ويقال لهم في ادعاء حياته ما قيل للكيسانية والناووسية والواقفة، ويعارضون بمن ذكرناه (7) فلا يجدون فصلا،

 

(1) في المصدر: من أهل النصب والضلال. (2) =: ونقلوا النص عليه. (3) =: ان الامام. (4) =: بعد مضى محمد. (5) =: للفرقة الاولى. (6) =: يتعلقون به. (7) =: بما ذكرناه.

 

[20]

فأما أصحاب جعفر فأمرهم (1) مبني على إمامة محمد، وإذا سقط قول هذا الفريق لعدم الدلالة على صحته وقيامها على إمامة أبي محمد عليه السلام فقد بان فساد ما ذهبوا إليه. قال الشيخ أدام الله عزه: ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام افترق أصحابه بعده - على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى رحمه الله - (2) أربع عشرة فرقة، فقال الجمهور منهم بإمامة القائم المنتظر (3)، وأثبتوا ولادته، وصححوا النص عليه، وقالوا: هو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومهدي الانام، واعتقدوا أن له غيبتين إحداهما أطول من الاخرى، فالاولى منهما هي القصرى، وله فيها الابواب (4) والسفراء، ورووا عن جماعة من شيوخهم وثقاتهم أن أباه الحسن عليه السلام أظهره لهم وأراهم شخصه، واختلفوا في سنه عند وفاة أبيه، فقال كثير منهم: كان سنه إذ ذاك خمس سنين، لان أباه توفي سنة ستين ومائتين، وكان مولد القائم سنة خمس وخمسين ومائتين، وقال بعضهم: بل كان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين وكان سنه عند وفاة أبيه ثمان سنين، وقالوا: إن أباه لم يمت حتى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب، وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة، إذ كان خاتم الحجج ووصي الاوصياء وقائم الزمان، واحتجوا في جواز ذلك بدليل العقل من حيث ارتفعت إحالته ودخل تحت القدرة لقوله تعالى (5) في قصة عيسى: " ويكلم الناس في المهد وكهلا (6) " وفي قصة يحيى " وآتيناه الحكم صبيا (7) " وقالوا: إن صاحب الامر حي لم يمت ولا يموت ولو بقي ألف عام حتى يملا الارض عدلا وقسطا (8) كما ملئت ظلما

 

(1) في المصدر: فان أمرهم. (2) سيأتي ترجمته في البيان. (3) في المصدر: ابنه القائم المنتظر. (4) =: النواب خ ل. (5) في المصدر: وبقوله تعالى. (6) سورة آل عمران: 46. (7) سورة مريم: 12. (8) في المصدر: قسطا وعدلا.

 

[21]

وجورا، وأنه يكون عند ظهوره شابا قويا في صورة أبناء (1) نيف وثلاثين سنة، وأثبتوا ذلك في معجزاته، وجعلوه في جملة دلائله (2) وآياته. وقالت فرقة ممن دانت بإمامة الحسن: إنه حي لم يمت، وإنما غاب وهو القائم المنتظر. وقالت فرقة اخرى: إن أبا محمد مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهدي، واعتلوا في ذلك بخبر رووه أن القائم إنما سمي بذلك لانه يقوم بعد الموت. وقالت فرقة اخرى: إن أبا محمد توفي (3) لا محالة، وأن الامامة من بعده أخوه جعفر بن علي، واعتلوا في ذلك بالرواية عن أبي عبد الله عليه السلام " إن الامام هو الذي لا يوجد منه ملجأ إلا إليه " قالوا: فلما لم نر للحسن ولدا ظاهرا التجأنا إلى القول بامامة جعفر أخيه ! ورجعت فرقة ممن كانت تقول بإمامة الحسن عن إمامته عند وفاته، وقالوا: لم يكن إماما وكان مدعيا مبطلا ! وأنكروا إمامة أخيه محمد، وقالوا: الامام جعفر بن علي بنص أبيه عليه، قالوا: وإنما قلنا بذلك لان محمد مات في حياة أبيه والامام لا يموت في حياة أبيه، وأما الحسن فلم يكن له عقب، والامام لا يخرج من الدنيا حتى يكون له عقب. وقالت فرقة اخرى: إن الامام محمد بن علي أخو الحسن بن علي، ورجعوا عن إمامة الحسن وادعوا حياة محمد بعد أن كانوا ينكرون ذلك ! وقالت فرقة اخرى: إن الامام بعد الحسن ابنه المنتظر وأنه علي بن الحسن، وليس كما يقول القطعية أنه محمد بن الحسن، وقالوا بعد ذلك بمقال القطعية (4) في الغيبة والانتظار حرفا بحرف (5).

 

(1) في المصدر: في صورة ابن اه‍. (2) =: من جملة دلائله. (3) =: قد توفى. (4) =: بمقالة القطعية. (5) = حرفا فحرفا.

 

[22]

وقالت فرقة اخرى: إن القائم ابن الحسن ولد بعد أبيه (1) بثمانية أشهر، وهو المنتظر، وأكذبوا من زعم أنه ولد في حياة أبيه. وقالت فرقة الاخرى: إن أبا محمد مات عن غير ولد ظاهر ولكن عن حبل من بعض جواريه، والقائم من بعد الحسن محمول به وما ولدته امه بعد، وأنه يجوز أنها تبقى مائة سنة حاملا ! فإذا ولدته ظهرت ولادته. وقالت فرقة اخرى: إن الامامة قد بطلت بعد الحسن وارتفعت الائمة، وليس في أرض (2) حجة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ! وإنما الحجة الاخبار الواردة عن الائمة المتقدمين عليهم السلام، وزعموا أن ذلك سائغ (3) إذا غضب الله على العباد فجعله عقوبة لهم. وقالت فرقة اخرى: إن محمد بن علي أخا الحسن بن علي كان الامام في الحقيقة مع أبيه علي، وأنه لما حضرته الوفاة وصى إلى غلام له يقال له نفيس، وكان ثقة أمينا، ودفع إليه الكتب والسلاح، ووصاه أن يسلمه إلى أخيه جعفر، فسلمه إليه، وكانت الامامة في جعفر بعد محمد على هذا الترتيب. وقالت فرقة اخرى: قد علمنا أن الحسن كان إماما، فلما قبض التبس الامر علينا، فلا ندري أجعفر كان الامام من بعده أم غيره، والذي يجب علينا أن نقطع أنه (4) لابد من إمام ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعينه حتى تبين لنا ذلك. وقالت فرقة اخرى: إن الامام (5) بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر، غير أنه قد مات وسيحيا، يقوم بالسيف فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. وقالت الفرقة الرابعة عشر منهم: إن أبا محمد كان الامام بعد أبيه، وإنه لما حضرته الوفاة نص على أخيه جعفر بن علي بن محمد بن علي، وكان الامام من بعده بالنص عليه والوارثة له، وزعموا أن الذي دعاهم إلى ذلك ما يجب في العقول من

 

(1) في المصدر: ان القائم محمد بن الحسن ولد بعد موت أبى اه‍. (2) كذا في النسخ، وفى المصدر: وليس في الارض. (3) أي جائز. وفى المصدر: شانع. (4) في المصدر: أن نقطع على أنه. (5) =: بل الامام.

 

[23]

وجوب الامام (1) مع فقدهم لولد الحسن وبطلان دعوى من ادعى وجوده فيما زعموا من الامامية. قال الشيخ أدام الله عزه: وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا وهو من سنة (2) ثلاث وسبعين وثلاث مائة إلا الامامية إلاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن، المسمى باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف حسب ما شرحناه فيما تقدم عنهم، وهم أكثر فرق الشيعة عددا وعلما، ومتكلمون نظار وصالحون عباد متفقهة (3) وأصحاب حديث وادباء وشعراء وهم وجه الامامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في الديانة، ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحد من الاربع عشر (4) فرقة التي قدمنا ذكرها ظاهرا بمقاله ولا موجودا على هذا الوصف من ديانته، وإنما الحاصل منهم خبر عمن سلف (5)، وأراجيف بوجود قوم منهم لا يثبت (6). وأما الفرقة القائلة بحياة أبي محمد عليه السلام فإنه يقال لها: ما الفصل بينك وبين الواقفة والناووسية ؟ فلا يجدون فصلا. وأما الفرقة التي زعمت (7) أن أبا محمد عاش من بعد موته وهو المنتظر فإنه يقال لها: إذا جاز أن تخلو الدنيا من إمام حي يوما فلم لا جاز أن يخلو منه سنة ؟ وما الفرق بين ذلك وبين أن تخلو أبدا من إمام ؟ وهذا خروج عن مذهب الامامية، وقول بمذهب الخوارج والمعتزلة، ومن صار إليه من الشيعة كلم كلام الناصبة ودل على وجوب الامامة (8). ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الحسن عليه السلام ميتا لا محالة ولم يعش بعد وسيعيش، وهذا نقض مذاهبهم، فأما ما اعتلوا به من أن القائم إنما سمي بذلك

 

(1) في المصدر: ما يجب في العقل من وجوب الامامة. (2) =: وهو سنة اه‍. (3) =: ومتكلمون ونظار وصالحون وعباد ومتفقهة اه‍. (4) =: من جملة الاربع عشر اه‍. (5) =: حكاية عمن سلف. (6) =: لا تثبت. والاراجيف: الاخبار المختلفة الكاذبة السيئة. (7) =: واما الفرقة الاخرى التى زعمت. (8) في (ت) كلم كلام الناصبة ودل على عدم وجوب الامامة.

 

[24]

لانه يقوم بعد الموت فإنه يحتمل أن يكون اريد به (1) بعد موت ذكره، دون أن يكون المراد به موته في الحقيقة بعدم الحياة منه، على أنهم لا يجدون بهذا الاعتلال بينهم وبين الكيسانية فرقا، مع أن الرواية قد جاءت بأن القائم إنما سمي بذلك لانه يقوم بدين قد اندرس، ويظهر بحق كان مخفيا، ويقوم بالحق من غير تقية تعتريه في شئ منه، وهذا يسقط ما ادعوه. وأما الفرقة التي زعمت أن جعفر بن علي هو الامام بعد أخيه الحسن عليه السلام فإنهم صاروا إلى ذلك من طريق الظن والتوهم، ولم يوردوا خبرا ولا أثرا يجب النظر فيه، ولا فصل بين هؤلاء القوم وبين من ادعى الامامة بعد الحسن عليه السلام لبعض الطالبيين، واعتمد على الدعوى والتعرية من البرهان (2)، فأما ما اعتلوا به من الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام أن الامام هو الذي لا يوجد منه ملجأ إلا إليه فإنه يقال لهم فيه: ولم زعمتم أنه لا ملجأ إلا إلى جعفر ؟ ولم أنكرتم (3) أن يكون الملجأ هو ابن الحسن الذي نقل جمهور الامامية النص عليه ؟ فإن قالوا: لا يجب ذلك إلا إذا قامت الدلالة على وجوده مع أنه لا يجب أن نثبت وجود من لم نشاهده قلنا لهم: ولم لا يجب ذلك إذا قامت الدلالة على وجوده ؟ مع أنه لا يجب أن يثبت الامامة (4) لمن لا نص عليه ولا دليل على إمامته، على أن هذه العلة يمكن ان يعتل بها كل من يدعي الامامة لرجل من آل أبي طالب بعد الحسن عليه السلام ويقول: إنما قلت ذلك لانني لم أجد ملجأ إلا إليه. وأما الفرقة الراجعة عن إمامة الحسن والمنكرة لامامة أخيه محمد فإنها تحج (5) بدليل إمامة الحسن من النص والتواتر عن أبيه، ويطالب بالدلالة على إمامة علي بن محمد عليهما السلام فكل شئ اعتمدوه في ذلك فهو العمدة عليهم فيما أبوه من إمامة الحسن عليه السلام،

 

(1) في المصدر: أن يكون المراد به. (2) =: واعتمد على الدعوى المتعرية عن برهان. (3) =: وما انكرتم. (4) =: لا يجب علينا أن نثبت الامامة اه‍. (5) =: فانها تحتج عليها اه‍.

 

[25]

فأما إنكارهم لامامة محمد بن علي أخي الحسن فقد أصابوا في ذلك ونحن موافقوهم في صحة، وأما اعتلالهم بصوابهم في الرجوع عن إمامة الحسن عليه السلام وأنه ممن مضى ولا عقب له فهو اعتماد على التوهم، لان الحسن قد أعقب المنتظر، والادلة على إمامته أكثر من أن تحصى، وليس إذا لم نشاهد الامام بطلت إمامته، ولا إذا لم يدرك وجوده حسا واضطرارا ولم يظهر للخاصة والعامة كان ذلك دليلا على عدمه. وأما الفرقة الاخرى الراجعة عن إمامة الحسن عليه السلام إلى إمامة أخيه محمد فهي كالتي قبلها، والكلام عليها نحو ما سلف، مع أنهم أشد بهتا (1) ومكابرة، لانهم أنكروا إمامة من كان حيا بعد أبيه، وظهرت عنه من العلوم ما يدل على فضله على الكل، وادعوا إمامة رجل مات في حياة أبيه ولم يظهر منه علم ولا من أبيه نص عليه، بعد أن كانوا يعترفون بموته ! وهؤلاء سقاط جدا. وأما الفرقة التي اعترفت بولد الحسن عليه السلام وأقرت بأنه المنتظر إلا أنها زعمت أنه علي وليس بمحمد فالخلاف بيننا وبين هؤلاء في الاسم دون المعنى، والكلام لهم خاصة، فيجب أن يطالبوا بالاثر في الاسم، فإنهم لا يجدونه، والاخبار منتشرة في أهل الامامة وغيرهم أن اسم القائم عليه السلام اسم رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكن في أسماء رسول الله علي، ولو ادعوا (2) أنه أحمد لكان أقرب إلى الحق، وهذا القدر كاف فيما يحتج به على هؤلاء. وأما الفرقة التي زعمت أن القائم ابن الحسن عليه السلام وأنه ولد بعد أبيه بثمانية أشهر وأنكروا أن يكون ولد في حياة أبيه فإنه يحتج عليهم بوجوب الامامة من جهة العقول، وكل شئ يلزم المعتزلة وأصناف الناصبة يلزم هذه الفرقة مما ذهبوا إليه (3) من جواز خلو العالم من وجود إمام حي كامل ثمانية أشهر، لانه لا فرق بين الثمانية والثمانين (4)، على أنه يقال لهم: لم زعمتم ذلك ؟ أبالعقل قلتموه أم بالسمع ؟ فإن

 

(1) في المصدر: اشد بهتانا. (2) =: ولو ادعى. (3) =: فيما ذهبوا إليه. (4) =: بين ثمانية اشهر وثمانين.

 

[26]

ادعوا العقل أحالوا في القول (1)، لان العقل لا مدخل له في ذلك، وإن ادعوا السمع طولبوا بالاثر فيه ولن يجدوه، وإنما صاروا إلى هذا القول من جهة الظن والترجم بالغيب (2)، والظن لا يعتمد عليه في الدين. وأما الفرقة الاخرى التي زعمت أن الحسن عليه السلام توفي عن حمل القائم وإنه لم يولد بعد فهي مشاركة للفرقة المتقدمة لها في إنكار الولادة، وما دخل على تلك داخل على هذه، ويلزمها من التجاهل ما يلزم تلك لقولها: إن حملا يكون مائة سنة، إذا كان هذا مما لم تجربه عادة ولا جاء به أثر من أحد (3) من سائر الامم ولم يكن له نظير، وهو وإن كان مقدورا لله عزوجل فليس يجوز (4) أن يثبت إلا بعد الدليل الموجب لثبوته، ومن اعترف به من حيث الجواز فأوجبه يلزمه إيجاب وجود كل مقدور، حتى لا يأمن لعل المياه قد استحالت ذهبا وفضة ! وكذلك الاشجار، ولعل كل كافر من العالم (5) إذا نام مسخه الله عزوجل قردا وكلبا وخنزيرا (6) من حيث لا يشعر به ! ثم يعيده (7) إلى الانسانية، ولعل بالبلاد القصوى فيما لا نعرف (8) خبره نساء يحبلن يوما ويضعن من غده (9) ! وهذا كله جهل وضلال فتحه على نفسه من اعترف بخرق العادة من غير حجة، واعتمد على جواز ذلك في المقدور (10). وأما الفرقة التي زعمت أن الامامة قد بطلت بعد الحسن عليه السلام فإن وجوب الامامة بالعقل يفسد قولها، وقول الله عزوجل: " يوم ندعو كل اناس بإمامهم (11) "

 

(1) في المصدر: أحالوا في العقول. (2) =: والرجم بالغيب. (3) =: في أحد. (4) =: فليس يجب. (5) =: في العالم. (6) =: أو كلبا أو خنزيرا. (7) =: من حيث لم يشعر به، ثم يعود اه‍. (8) =: مما لا نعرف. (9) =: في غده. (10) =: في القدرة. (11) سورة بنى اسرائيل: 71.

 

[27]

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " وقول أمير المؤمنين عليه السلام: " اللهم إنك لا تخلي الارض من حجة لك على خلقك إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا كيلا تبطل حججك وبيناتك (1) " وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا: " في كل خلف من امتي عدل من أهل بيتي، ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين " وأما تعلقهم بقول الصادق عليه السلام: " إن الله لا يخلي الارض من حجة إلا أن يغضب على أهل الدنيا " فالمعنى في ذلك أنه لا يخليها من حجة ظاهرة، بدلالة ما قدمناه. وأما الفرقة التي زعمت أن محمد بن علي (2) كان إماما مع أبيه وأنه وصى إلى غلام له يقال له: نفيس وأعطاه السلاح والكتب وأمره أن يدفعه (3) إلى جعفر فإن الذي قدمناه على الاسماعيلية من الدليل على بطلان إمامة إسماعيل بوفاته في حياة أبيه يكسر قول هذه الفرقة، ويزيده بيانا (4) أن وصي الامام لا يكون إلا إماما، ونفيس غلام محمد لم يكن إماما، ويبطل إمامة جعفر عدم الدلالة على إمامة محمد، ودليل بطلان إمامته أيضا ما ذكرناه من وفاته في حياة أبيه. وأما الفرقة التي أقرت بإمامة الحسن ووقفت بعده واعتقدت أنه لابد من إمام ولم يعنوا (5) على أحد فالحجة عليهم النقل الصادق بإمامة المنتظر والنص من أبيه عليه، وليس هذا موضعه فنذكره على النظام (6). وأما الفرقة التي أقرت بالمنتظر وأنه ابن الحسن وزعمت أن قد مات وسيحيا ويقوم بالسيف فإن الحجة عليها ما يجب من وجود الامام وحياته وكماله، وكونه

 

(1) يوجد ما يضاهيه فيما قاله أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد في كلام له أوله " يا كميل ان هذه القلوب أوعية " راجع نهج البلاغة (عبده 2: 180 ط مصر). والمغمور: المجهول الخامل الذكر. (2) يعنى محمد بن على بن محمد بن على بن موسى. (3) في المصدر: أن يدفعها. (4) =: ونزيده بيانا. (5) كذا في (ك)، وفى غيره من النسخ وكذا المصدر: ولم يعينوا. (6) وفى (ك) على الظالم.

 

[28]

حيث (1) يسمع الاختلاق ويحفظ الشرع، وبدلالة أنه لا فرق بين موته وعدمه. وأما الفرقة التي اعترفت بأن أبا محمد الحسن بن علي عليه السلام كان الامام بعد أبيه وادعت أنه لما حضرته الوفاة نص على أخيه جعفر بن علي واعتلوا في ذلك بأن زعموا أن دعوى من ادعى النص على ابن الحسن عليه السلام باطلة والعقل يوجب الامامة فلذلك اضطروا إلى القول بإمامة جعفر فإنه يقال لم زعمتم أن نقل الامامية النص من الحسن على ابنه باطل ؟ وما أنكرتم أن يكون حقا ؟ لقيام الدلالة على وجوب الامامة وثقة الناقلين وعلامة صدقهم بصفات الغيبة، والخبر فيها عما يكون قبل كونه، ويكون النقلة لذلك خاصة اصحاب الحسن والسفراء بينه وبين شيعته، ولفساد إمامة جعفر لما كان عليه من الظاهر (2) مما يضار صفات الامامة من نقصان العلم وقلة المعرفة وارتكاب القبائح والاستخفاف بحقوق الله عزوجل في مخلفات أخيه (3)، مع عدم النص عليه لفقد أحد من الخلق روى ذلك أو يأثره عن أحد من آبائه أو من أخيه خاصة، فإذا كان الامر على ما ذكرناه فقد سقط ما تعلق به هذا الفريق أيضا، على أنه لا فصل بين هؤلاء القوم وبين من ادعى إمامة بعض الطالبيين واعتل بعلتهم في وجوب الامامة وفساد قول الامامية وزعمهم فيما يدعونه من النص على ابن الحسن عليه السلام وإذا كان لا فصل بين القولين وأحدهما باطل بلا خلاف فالآخر في البطلان والفساد مثله. فهذه - وفقكم الله - جملة كافية فيما قصدناه ونحن نشرح هذه الابواب والقول فيها على الاستقصاء والبيان في كتاب نفرده بعد، والله ولي التوفيق وإياه نستهدي إلى سبيل الرشاد (4). بيان: الغيل بالكسر ويفتح: الشجر الكثير الملتف. والعجرفة: جفوة في الكلام وقال الجوهري: فطحه فطحا: جعله عريضا، ويقال: رأس مفطح أي عريض، ورجل أفطح بين الفطح أي عريض الرأس (5).

 

(1) في المصدر: بحيث. (2) =: في الظاهر. (3) كذا في (ك) و (ت)، وفى غيره من النسخ وكذا المصدر: في مخلفي أخيه. (4) الفصول المختارة 2: 81 - 104. (5) صحاح اللغة ج: 1 ص: 392.

 

[29]

[ومحمد بن بشير كان من أصحاب الكاظم عليه السلام ثم غلا وادعى الالوهية له عليه السلام والنبوة لنفسه من مقبله ! ولما توفي موسى عليه السلام قال بالوقف عليه وقال: إنه قائم بينهم موجود كما كان، غير أنهم محجوبون عنه وعن إدراكه، وإنه هو القائم المهدي، وإنه في وقت غيبته استخلف على الامة محمد بن بشير وجعله وصيه، وأعطاه خاتمه، وأعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته من أمر دينهم ودنياهم، وكان صاحب شعبدة ومخاريق، وكانت عنده صورة قد عملها وأقامها شخصا كأنه صورة أبي الحسن عليه السلام من ثياب الحرير، قد طلاها بالادوية (1) وعالجها بحيل عملها فيها حتى صارت شبيهة بصورة إنسان، فيريها الناس ويريهم من طريق الشعبدة أنه يكلمه ويناجيه، وكانت عنده أشياء عجيبة من صنوف الشعبدة، فهلك بها جماعة حتى رفع خبره إلى بعض الخلفاء، وتقرب إليه بمثل ذلك، ثم قتل. وتبرأ الله موسى عليه السلام ولعنه ودعا عليه وقال: أذاقه الله حر الحديد وقتله أخبث ما يكون من قتله، فاستجيب دعاؤه عليه السلام وسيأتي أحواله في المجلد الحادى عشر. والحسن بن موسى هو الخشاب النوبختي من أعاظم متكلمي الامامية، وعد النجاشي (2) وغيره من كتبه كتاب فرق الشيعة وكتاب الرد على فرق الشيعة ما خلا الامامية، وكتاب الرد على المنجمين، وحجج طبيعية مستخرجة من كتب أرسطاطاليس في الرد على من زعم أن الفلك حي ناطق.] اقول: إنما أوردنا هذه الجملة من كلام الشيخ ليطلع الناظر في كتابنا على المذاهب النادرة في الامامة، وأما الزيدية فمذاهبهم مشهورة، والدلائل على إبطالها في الكتب مسطورة، وما أوردنا من الاخبار في النصوص كاف في أبطالها، وجملة القول في مذاههم أنهم ثلاث فرق: الجاروديه وهم أصحاب أبي الجاورد زياد بن المنذر، قالوا بالنص من النبي صلى الله عليه وآله في الامامة على أمير المؤمنين عليه السلام وصفا لا تسميه، والصحابة كفروا بمخالفته وتركهم

 

(1) أي لطخه بها. (2) راجع رجاله ص 31.

 

[30]

الاقتداء به بعد النبي صلى الله عليه وآله، والامامة بعد الحسن والحسين عليهما السلام سوي في أولادهما. فمن خرج منهم بالسيف وهو عالم شجاع فهو إمام، واختلفوا في الامام المنتظر أهو محمد بن عبد الله بن الحسن الذي قتل في المدينة أيام المنصور فذهب طائفة منهم إلى ذلك، وزعموا أنه لم يقتل، أو هو محمد بن القاسم بن علي بن الحسين عليه السلام صاحب طالقان الذي حبسه المعتصم حتى مات، فذهب طائفة اخرى إليه وأنكروا موته، أو هو يحي بن عمر صاحب الكوفة من أحفاد زيد بن علي، دعا الناس إلى نفسه واجتمع عليه خلق كثير، وقتل في أيام المستعين بالله، فذهب إليه طائفة ثالثة وأنكروا قتله. والفرقة الثانية السليمانية من أتباع سليمان بن حريز قالوا: الامامة شورى فيما بين الخلق، وإنما ينعقد برجلين من خيار المسلمين، وتصح إمامة المفضول مع وجود الافضل، وأبو بكر وعمر إمامان وإن أخطأت الامة في البيعة لهما مع وجود علي عليه السلام ! لكنه خطأ لم ينته إلى درجة الفسق ! وكفروا عثمان وطلحة وعائشة. والفرقة الثالثة البترية وهم وافقوا السليمانية إلا أنهم توقفوا في عثمان، هذا ما ذكر شارح المواقف في تحرير مذاهبهم. ورأيت في شرح الاصول للناصر للحق الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين عليه السلام: اعلم أن أول الائمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندنا علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم ابنه الحسن عليه السلام، ثم أخوه الحسين عليه السلام، ثم علي بن الحسين عليه السلام، ثم ابنه زيد بن علي، ثم محمد بن عبد الله بن الحسن، ثم أخوه إبراهيم، ثم الحسين بن علي صاحب الفخ، ثم يحيى بن عبد الله بن الحسن، ثم محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن، ثم القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن، ثم الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين، ثم يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن، ثم محمد بن يحيى بن الحسين، ثم أحمد بن يحيى بن الحسين، ثم محمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمان بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن، ثم ابنه الحسن، ثم أخوه علي بن محمد، ثم أحمد بن الحسين بن هارون من أولاد زيد بن الحسن، ثم أخوه يحيى، ثم سائر أهل البيت الذين دعوا إلى الحق.


 

[31]

وهذا الكتاب من تصانيف الجارودية، والبترية يسمون بالصالحية أيضا، لان من رؤسائهم الحسن بن صالح، قال الكشي في كتاب الرجال: حدثني سعد بن الصباح الكشي، عن علي بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن فضيل، عن ابن أبي عمير، عن سعد الجلاب (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أن البترية صف واحد ما بين المشرق إلى المغرب ما أعز الله بهم دينا. ثم قال الكشي: والبترية هم أصحاب كثير النوا والحسن بن صالح بن حي (2) وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وأبي المقدام ثابت الحداد، وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، ويثبتون لهما إمامتها، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالب عليه السلام ويذهبون في ذلك إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويثبتون لكل من خرج من ولد علي عليه السلام عند خروجه الامامة (3). ثم روى عن سعيد (4) بن جناح الكشي، عن علي بن محمد بن يزيد العمي (5)، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن الحسين بن عثمان الرواسي (6)، عن سدير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ومعي سلمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحداد وسالم بن أبي حفصة وكثير النوا وجماعة معهم وعند أبي جعفر أخوه زيد بن علي، فقالوا لابي جعفر عليه السلام: نتولى عليا وحسنا وحسينا ونتبرؤ من أعدائهم، قال: نعم، قالوا: نتولى أبا بكر وعمر ونتبرؤ من أعدائهم، قال: فالتفت إليهم زيد بن علي وقال لهم: أتتبرؤون من فاطمة بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذ سموا البترية (7).

 

(1) في المصدر: عن ابى عمر سعد الجلاب. (2) =: يحيى. (3) رجال الكشى: 152. (4) في المصدر: عن سعد بن جناح الكشى. (5) =: القمى. (6) =: عن الحسن بن عثمان الرواسى. (7) رجال الكشى: 154.

 

[32]

وقال: عند ذكر أبي الجارود زياد بن المنذر الاعمى السرحوب: حكي أن أبا الجارود سمي سرحوبا، وتنسب إليه السرحوبية من الزيدية، وسماه بذلك أبو جعفر عليه السلام، وذكر أن سرحوبا اسم شيطان أعمى يسكن البحر، وكان أبو الجارود مكفوفا أعمى أعمى القلب، روى إسحاق بن محمد البصري، عن محمد بن جمهور، عن موسى بن بشار، عن أبي بصير (1) قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فمرت بنا جارية معها قمقم (2) فقلبته، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عزوجل إن كان قلب (3) قلب أبي الجارود كما قلبت هذه الجارية هذا القمقم فما ذنبي ؟ وروى علي بن محمد، عن محمد بن أحمد، عن علي بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي اسامة قال: قال (4) أبو عبد الله عليه السلام ما فعل أبو الجارود أما إنه لا يموت إلا تائها. وعنه عن محمد بن أحمد، عن العباس بن معروف، عن أبي القاسم الكوفي، عن الحسين بن محمد بن عمران، عن زرعة، عن سماعة، عن أبي بصير قال: ذكر أبو عبد الله عليه السلام كثير النوا وسالم بن أبي حفصة وأبا الجارود فقال: كذابون مكذبون كفار عليهم لعنة الله، قال: قلت: جعلت فداك كذابون قد عرفتهم فما مكذبون ؟ (5) فقال: كذابون يأتوننا فيخبروننا أنهم يصدقونا (6) وليس كذلك، فيسمعون (7) حديثنا فيكذبون به. وحدثني محمد بن الحسن البراثي وعثمان بن حامد الكشبان، عن محمد بن زياد، عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن المزخرف، عن أبي سليمان الحماد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام

 

(1) في المصدر: عن ابى نصر. (2) القمقم: وعاء من نحاس يسخن فيه الماء. (3) في المصدر: قد قلب. (4) =: قال: قال لى. (5) =: فما معنى مكذبون. (6) =: فيخبرون انهم يصدقوننا. (7) =: ويسمعون.

 

[33]

يقول لابي الجارود بمنى في فسطاطه (1): يا أبا الجارود كان والله أبي إمام أهل الارض حيث مات لا يجهله إلا ضال، ثم رأيته في العام المقبل قال له مثل ذلك، قال، فلقيت أبا الجارود بعد ذلك بالكوفة فقلت له: أليس قد سمعت ما قاله أبو عبد الله مرتين ؟ قال: إنما يعني أباه علي بن أبي طالب عليه السلام. (2) وقال في عمر بن رياح: قيل: إنه كان أولا يقول بإمامة أبي جعفر عليه السلام، ثم إنه فارق هذا القول وخالف أصحابه مع عدة يسيرة تابعوه على ضلالته، فإنه زعم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن مسألة فأجابه فيها بجواب (3)، ثم عاد إليه في عام آخر وزعم أنه سأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه بخلاف الجواب الاول، فقال لابي جعفر عليه السلام: هذا بخلاف ما أجبتني في هذه المسألة عامك الماضي، فذكر له (4) إن جوابنا خرج على وجه التقية، فشك في أمره وإمامته، فلقي رجلا من أصحاب أبي جعفر عليه السلام يقال له محمد بن قيس، فقال: إني سألت أبا جعفر عليه السلام عن مسألة فأجابني فيها بجواب ثم سألته (5) عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف الجواب الاول، فقلت له: لم فعلت ذلك ؟ قال: فعلته للتقية وقد علم الله أنني ما سألته إلا وأنني (6) صحيح العزم على التدين بما يفتيني به (7) وقبوله والعمل به، ولا وجه لاتقائه إياي، وهذا حاله، فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه ؟ قفال: ما حضر مجلسه في واحد من المجالس غيري، ولكن كان جواباه جميعا على وجه التجنب (8)، ولم يحفظ ما أجاب فيه في العام الماضي فيجيب بمثله !. فرجع عن إمامته وقال: لا يكون إمام يفتي بالباطل على شئ من الوجوه ولا في حال من الاحوال، ولا يكون إمام يفتي بالتقية من غير ما يجب عند الله ولا هو

 

(1) في المصدر بعد ذلك: رافعا صوته. (2) رجال الكشى: 150. (3) في (ك): الجواب. (4) في المصدر: فذكر أنه قال له. (5) =: ثم سألت. (6) =: إلا وأنى. (7) =: بما يفتينى فيه. (8) =: على وجه التخيب.

 

[34]

يرخي ستره (1) ولا يغلق بابه، ولا يسع الامام إلا الخروج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمال إلى سنته بقول البترية ومال معه نفر يسير (2). أقول: لا اعتماد على نقل هذا الضال المبتدع في دينه، وعلى تقدير صحته لعله اتقى ممن علم أنه بعد خروجه سيذكره عنده، وأما الدلائل على وجوب التقية فسنذكرها في محلها، ثم روى الكشي أيضا عن حمدويه، عن ابن يزيد، عن محمد بن عمر، عن ابن عذافر، عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصدقة على الناصب وعلى الزيدية قال: لا تصدق عليهم بشئ، ولا تسقهم من الماء إن استطعت، وقال لي: الزيدية هم النصاب. وروى عن محمد بن الحسن، عن أبي علي الفارسي قال: حكى منصور عن الصادق علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام أن الزيدية والواقفة والنصاب بمنزلة عنده سواء. وعن محمد بن الحسن، عن أبي علي، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عمن حدثه قال: سألت محمد بن علي الرضا عليهما السلام عن هذه الآية " وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة (3) " قال: نزلت في النصاب والزيدية، والواقفة من النصاب (4). أقول: كتب أخبارنا مشحونة بالاخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم من الفطحية والواقفة وغيرهم من الفرق المضلة المبتدعة، وسيأتي الرد عليهم في أبواب أحوال الائمة عليهم السلام وما ذكرناه في تضاعيف كتابنا من الاخبار والبراهين الدالة على عدد الائمة وعصمتهم وسائر صفاتهم كافية في الرد عليهم وإبطال مذاهبهم السخيفة الضعيفة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

 

(1) ارخى ستره: أسد له وارسله. (2) رجال الكشى: 154 و 155. (3) سورة الغاشية: 2 و 3. (4) رجال الكشى: 149.

 

[35]

50 - * { باب } * * (مناقب أصحاب الكساء وفضلهم صلوات الله عليهم) * 1 - لى: الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن جعفر بن سلمة، عن إبراهيم بن الثقفي، عن عثمان بن أبي شيبة ومحرز بن هشام قالا: حدثنا مطلب بن زياد عن ليث بن ابي سليم قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم التحية والاكرام كلهم يقول: أنا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة مما يلي بطنه وعليا مما يلي ظهره والحسن عليه السلام عن يمينه والحسين عليه السلام عن يساره، ثم قال صلى الله عليه وآله: أنتم مني وأنا منكم (1). 2 - لى: أبي وابن مسرور (2)، عن ابن عامر، عن المعلى، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن عليا وصيي وخليفتي، وزوجته فاطمة (3) سيدة نساء العالمين ابنتي، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ولداي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن ناواهم فقد ناواني، ومن جفاهم فقد جفاني، ومن برهم فقد برني، وصل الله من وصلهم، وقطع من قطعهم، ونصر من أعانهم (4)، وخذل من خذلهم، اللهم من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت فعلي وفاطمة والحسن والحسين أهل بيتي وثقلي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (5).

 

(1) امالي الصدوق: 9. (2) لم يذكر " ابن مسرور " في المصدر. (3) في المصدر: وزوج فاطمة. (4) =: ونصر من نصرهم، وأعان من أعانهم. (5) امالي الصدوق: 283.

 

[36]

3 - لى: أبي، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يقف عند طلوع كل فجر على باب علي وفاطمة عليهما السلام فيقول: الحمد لله المحسن المجمل المنعم المفضل، الذي بنعمته تتم الصالحات، سمع سامع (1) بحمد الله ونعمته وحسن بلائه عندنا، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من صباح النار، نعوذ بالله من مساء النار، الصلاة يا أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (2) ". بيان: قال في النهاية: في الحديث " سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا " أي ليسمع السامع وليشهد الشاهد حمدنا لله تعالى على ما أحسن إلينا وأولانا من نعمه، وحسن البلاء النعمة والاختبار بالخير ليتبين الشكر وبالشر ليظهر الصبر انتهى (3). وقال بعض شراح صحيح مسلم: هذا - يعني سمع - بكسر الميم وروي بفتحها مشددة يعني بلغ سامع قولي هذا لغيره، وقال: مثله تنبيها على الذكر والدعاء في السحر، وقال بعضهم: الذهاب إلى الخبر أولى أي من كان له سمع فقد سمع بحمدنا لله وإفضاله علينا، فإن كليهما قد اشتهر واستفاض حتى لا يكاد يخفى على ذي سمع. 4 - لى: ما جيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن علي بن الحسين البرقي، عن عبد الله بن جبلة، عن معاوية بن عمار، عن الحسن بن عبد الله، عن أبيه، عن جده الحسن بن علي عليهما السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله فسألوه عن مسائل، فكان فيما سألوه: أخبرني عن خمسة أشياء مكتوبات في التوراة أمر الله بني إسرائيل أن يقتدوا بموسى فيها من بعده، قال النبي صلى الله عليه وآله: فأنشدتك بالله إن أنا أخبرتك تقر لي ؟ قال اليهودي: نعم يا محمد، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله: أول ما في التوراة مكتوب (4) " محمد رسول الله " وهي بالعبرانية " طاب " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الآية " يجدونه

 

(1) في المصدر: سميع سامع. (2) امالي الصدوق: 88. (3) النهاية 2: 181 و 182. (4) في المصدر: اما في التوراة مكتوب.

 

[37]

مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل. ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " (1) وفي السطر الثاني اسم وصيي علي بن أبي طالب والثالث والرابع سبطي الحسن والحسين، وفي السطر الخامس (2) امهما فاطمة سيدة نساء العالمين - صلوات الله عليهم - وفي التوراة اسم وصيي " إليا " واسم السبطين " شبر وشبير " وهما نورا فاطمة عليها السلام. قال اليهودي: صدقت يا محمد فأخبرني عن فضلكم أهل البيت، قال النبي صلى الله عليه وآله: لي فضل على النبيين، فما من نبي إلا دعا على قومه بدعوة وأنا أخرت دعوتي لامتي لاشفع لهم يوم القيامة، وأما فضل أهل بيتي وذريتي على غيرهم كفضل الماء على كل شئ، وبه حياة كل شئ، وحب أهل بيتي وذريتي استكمال الدين، وتلا رسول الله هذه الآية " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " (3) إلى آخر الآية، قال اليهودي: صدقت يا محمد (4). بيان: قال الفيروز آبادي: شبر كبقم وشبير كقمير ومشبر كمحدث أبناء هارون عليه السلام قيل: وبأسمائهم سمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين والمحسن (5). 5 - لى: العسكري، عن محمد بن منصور وأبي يزيد القرشي معا، عن نضر بن علي الجهضمي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد الحسن والحسين عليهما السلام فقال: من أحب هذين وأباهما وامهما كان معي في درجتي يوم القيامة (6). 6 - ب: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله لما اسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهى - قال: إن الورقة منها تظل الدنيا، وعلى كل ورقة (7) ملك يسبح الله، يخرج من أفواههم الدر والياقوت،

 

(1) ملفق من آيتين احداهما في سورة الاعراف: 157. والاخرى في سورة الصف: 6. (2) في المصدر: وفى الخامس. (3) سورة المائدة: 3. (4) امالي الصدوق: 113. (5) القاموس المحيط 2: 55. (6) امالي الصدوق: 138. (7) في المصدر: وعلى كل ورق.

 

[38]

تبصر اللؤلؤ مقدار خمس مائة عام (1)، وما يسقط من ذلك الدر والياقوت يخرجونه (2) ملائكة موكلين به، يلقونه في بحر من نور، يخرجون كل ليلة جمعة إلى السدرة المنتهى - فلما نظروا إلي رحبوا بي وقالوا: يا محمد مرحبا بك، فسمعت اضطراب ريح السدرة وخفقة أبواب الجنان قد اهتزت فرحا لمحبيك (3)، فسمعت الجنان تنادي: واشوقاه إلى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام (4). 7 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي خلق الناس من شجر شتى، وخلقت أنا وأنت من شجرة واحدة، أنا أصلها وأنت فرعها والحسن والحسين أغصانها وشيعتنا أوراقها (5)، فمن تعلق بغصن من أغصانها أدخله الله الجنة (6). 8 - ع: العطار، عن أبيه، عن أبي محمد العلوي الدينوري بإسناده رفع الحديث إلى الصادق عليه السلام قال: قلت له: لم صارت المغرب ثلاث ركعات وأربعا بعدها ليس فيها تقصير في حضر ولا سفر ؟ فقال: إن الله عزوجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله لكل صلاة ركعتين في الحضر، فأضاف إليها رسول الله لكل صلاة ركعتين في الحضر وقصر فيها في السفر إلا المغرب: فلما صلى المغرب بلغه مولد فاطمة عليها السلام فأضاف إليها ركعة شكرا لله عزوجل، فلما أن ولد الحسن عليه السلام أضاف إليها ركعتين شكرا لله عزوجل، فلما أن ولد الحسين أضاف إليها ركعتين شكرا لله عزوجل، فقال: " للذكر مثل حظ الانثيين " فتركها على حالها في الحضر والسفر (7). 9 - ما: المفيد، عن عبد الله بن محمد الابهري، عن علي بن أحمد بن الصباح، عن إبراهيم بن عبد الله بن أخي عبد الرزاق، عن عمه عبد الرزاق، عن أبيه همام بن نافع، عن مينا

 

(1) في (ك): خمسين مائة عام. (2) في المصدر: وما سقط من ذلك الدر والياقوت يخزنونه اه‍. (3) في المصدر: قد اهتزت فرحا لمجيئك. (4) قرب الاسناد: 48 و 49. (5) في (د): وشيعتنا ورقها. (6) لم نجد الرواية في المصدر المطبوع، نعم يوجد مثلها في ص 221 منه بأدنى أختلاف. (7) علل الشرائع: 116.

 

[39]

مولى عبد الرحمان بن عوف قال: قال لي عبد الرحمان: يا مينا ألا أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله (1) ؟ قلت: بلى، قال: سمعته يقول: أنا شجرة وفاطمة فرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرها ومحبوهم من امتي ورقها (2). [بيان أبهر كأصغر اسم بلد، قال في القاموس: أبهر بلا لام معرف " آب هر " أي ماء الرحى بلد عظيم بين قزوين وزنجان، وبليدة بنواحي أصفهان (3). وقال: اللقاح: كسحاب ما تلقح به النخلة وطلع الفحال، أي ذكر النخل (4)]. 10 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن عمر بن سعيد السجستاني، عن محمد بن يزيد، عن إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيب (5)، عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: أتاني ملك لم يهبط إلى الارض قبل وقته، فعرفني أنه استأذن الله عزوجل في السلام علي فأذن له، فسلم علي وبشرني أن ابنتي فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (6). 11 - ما: المفيد، عن محمد بن عمران المرزباني، عن أحمد بن محمد بن عيسى المكي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن هواذة بن خليفة (7)، عن عوف بن عطية، عن أبيه، عن ام سلمة قالت: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في بيتي إذ قالت الخادم: يا رسول الله إن عليا وفاطمة عليهما السلام بالسدة (8) فقال: قومي فتنحي لي عن أهل

 

(1) في المصدر: سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) امالي الشيخ: 9. (3) القاموس 1: 378. (4) =: 1: 247 و 4: 29. (5) كذا في (ك)، وفى (م) و (د) زر بن جيش. وفى المصدر: زر بن خنيس، والكل مصحف، والصحيح: زر بن حبيش كما في (ت). (6) امالي الشيخ: 52. (7) كذا في (ك)، وفى غيره من النسخ وكذا المصدر: هوذة بن خليفة. (8) في المصدر: في السدة. قال في النهاية (2: 153): فيه " انه قيل له: هذا على وفاطمة قائمين بالسدة فأذن لهما " السدة كالظلة على الباب لتقى الباب من المطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: هي الساحة بين يديه.

 

[40]

بيتي (1)، قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبا، فدخل علي وفاطمة والحسن والحسين وهما صبيان صغيران، فوضعهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجره وقبلهما، واعتنق عليا بإحدا يديه وفاطمة باليد الاخرى، وقبل فاطمة وقال: اللهم إليك أنا وأهل بيتي لا إلى النار، فقلت: يا رسول الله وأنا معكم ؟ فقال: وأنت (2). 12 - ما: ابو عمرو، عن ابن عقدة، عن محمد بن أحمد القطواني، عن عباد بن ثابت، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق الشيباني، قال: وحدثني يحيى بن عبد الملك وعباد بن الربيع وعبد الله بن أبي عتبة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جميع بن عمير قال: دخلت مع امي على عائشة فذكرت لها عليا، فقالت: ما رأيت رجلا كان أحب إلى رسول الله منه، وما رأيت امرأة كانت أحب إلى رسول الله من امرأته (3). 13 - ما: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أبي الفضل بن يوسف، عن محمد بن عكاشة، عن حميد بن المثنى، عن يحيى بن طلحة، عن أيوب بن الحر، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي عليه السلام قال: إن فاطمة شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا ترضين أني زوجتك أقدم امتي سلما وأحلمهم حلما وأكثرهم علما ؟ أما ترضين (4) أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا ما جعل الله لمريم بنت عمران وأن ابنيك سيدا شباب أهل الجنة (5) ؟ ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن ابن عقدة مثله (6). بيان الاستثناء في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إلا ما جعل الله لمريم " موافق لروايات العامة، وسيأتي أخبار متواترة أنها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين، ويمكن أن

 

(1) في المصدر: فتنحى عن أهل بيتي. (2) امالي الشيخ: 85. ولا يخفى انه لا تنافى بين هذه الرواية والروايات الواردة في باب آية التطهير، فان الكون مع أهل بيت الرسول كما هو المذكور هناك غير الكون من أهل بيته صلوات الله عليه وعليهم. (3) امالي الشيخ، 156. (4) في المصدر: أما ترضى. (5) امالي الشيخ: 155 و 156. (6) امالي ابن الشيخ: 46.

 

[41]

يكون المعنى أن سيادة النساء (1) منحصرة فيها إلا مريم فإنها سيدة نساء عالمها. 14 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد العزيز بن الخطاب، عن ناصح، عن زكريا، عن أنس قال: أتكأ النبي على علي عليه السلام فقال: يا علي أما ترضى أن تكون أخي وأكون أخاك وتكون وليي ووصيي ووارثي تدخل رابع أربعة الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا ومن تبعنا من امتنا على أيمانهم وشمائلهم ؟ قال: بلى يا رسول الله (2). 15 - ما: المفيد، عن محمد بن الحسين المنقري، عن علي بن العباس، عن الحسين ابن بشر، عن محمد بن علي بن سليمان، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن الباقر عليه السلام قال: كان النبي صلى الله عليه وآله جالسا في مسجده فجاء علي عليه السلام فسلم وجلس، ثم جاء الحسن ابن علي عليه السلام فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وأجلسه في حجره وضمه إليه (3)، ثم قال له: اذهب فاجلس مع أبيك، ثم جاء الحسين عليه السلام ففعل النبي مثل ذلك وقال له: اجلس مع أبيك، إذ دخل رجل المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه وآله خاصة وأعرض عن علي والحسن والحسين عليهم السلام فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما منعك أن تسلم على علي وولده ؟ (4) فوالذي بعثني بالهدى ودين الحق لقد رأيت الرحمة تنزل عليه وعلى ولديه (5). 16 - ما: المفيد، عن إسماعيل بن يحيى العبسى، عن محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد السلام الهروي، عن الحسين الاشقر، عن قيس بن الربيع عن الاعمش، عن عباية بن ربعي، عن أبي أيوب الانصاري قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وآله مرضة فأتته فاطمة عليها السلام تعوده، فلما رأت ما برسول الله من المرض والجهد استعبرت وبكت حتى سالت دموعها على خديها، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: يا فاطمة إني لكرامة الله إياك زوجتك أقدمهم سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما، إن الله تعالى اطلع

 

(1) في (د): أن سيدة النساء. (2) امالي الشيخ: 211 و 212. (3) في المصدر: وضمه إليه وقبله. (4) =: وولديه. (5) امالي الشيخ: 140.

 

[42]

إلى أهل الارض اطلاعة فاختارني منها فبعثي نبيا، واطلع إليها ثانية فاختار بعلك فجعله وصيا، فسرت فاطمة عليها السلام واستبشرت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يزيدها مزيد الخير فقال: يا فاطمة إنا أهل بيت اعطينا سبعا لم يعطها أحد قبلنا ولا يعطاها أحد بعدنا: نبينا أفضل الانبياء وهو أبوك، ووصينا أفضل الاوصياء وهو بعلك، وشهيدنا أفضل الشهداء وهو عمك، ومنا من جعل الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة وهو ابن عمك، ومنا سبطا هذه الامة وهما ابناك، والذي نفسي بيده لابد لهذه الامة من مهدي وهو والله من ولدك (1). 17 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن محمد العطار، عن الخشاب، عن علي بن النعمان، عن بشير الدهان قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك أي الفصوص اركبه على خاتمي ؟ فقال عليه السلام: يا بشير أين أنت عن العقيق الاحمر والعقيق الاصفر والعقيق الابيض ؟ فإنها ثلاثة جبال في الجنة، فأما الاحمر فمطل (3) على دار رسول الله صلى الله وآله وسلم، وأما الاصفر فمطل على دار فاطمة صلوات الله عليها، وأما الابيض فمطل على دار أمير المؤمنين عليه السلام، والدور كلها واحدة، يخرج منها ثلاثة أنهار، من تحت كل جبل نهر أشد بردا من الثلج وأحلى من العسل وأشد بياضا من اللبن، لا يشرب منها إلا محمد وآله وشيعتهم، ومصبها كلها واحد، ومجراها من الكوثر (3)، وإن هذه الثلاثة جبال تسبح الله وتقدسه وتمجده وتستغفر لمحبي آل محمد صلى الله عليه وآله، فمن تختم بشئ منها من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله لم ير إلا الخير والحسنى والسعة في رزقه والسلامة من جميع أنواع البلاء، وهو في أمان (4) من السلطان الجائر ومن كل ما يخافه الانسان ويحذره (5): 18 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن إبراهيم بن محمد بن إسحاق، عن محمد

 

(1) امالي الشيخ: 95 و 96. (2) أي مشرف: وفى (ك) " فمظل " في المواضع. (3) في المصدر: ومخرجها من الكوثر. (4) =: وهو أمان. (5) امالي الشيخ: 24.

 

[43]

ابن إسحاق، (1) عن صباح، عن السدي، عن صبيح، عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وإذا علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم. (2) بشا: يحيى بن محمد الجواني، عن الحسين بن علي الداعي، عن جعفر بن محمد الحسيني، عن محمد بن عبد الله الحافظ، عن محمد بن يعقوب، عن العباس بن محمد الدوري عن مالك بن إسماعيل، عن أسباط بن نصر، عن السدي مثله. (3) وبهذا الاسناد عن محمد بن عبد الله، عن المنذر بن محمد بن المنذر، عن أبيه، عن سليمان بن قرم، عن ابن الحجاف، عن إبراهيم بن عبد الله بن صبيح، عن أبيه، عن جد عن زيد بن أرقم مثله. (4) 19 - ما: الحفار، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن زاذان، عن عباد بن يعقوب، عن يحيى بن يسار، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي عليه السلام، وعن الحارث، عن علي عليه السلام (5) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: مثلي مثل شجرة أنا أصلها وعلي فرعها والحسن والحسين ثمرتها (6) والشيعة ورقها، فأبى أن يخرج من الطيب إلا الطيب. (7) 20 - ما: علي بن شبل، عن ظفر بن حمدون، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله ابن حماد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الاصغ بن نباتة قال: سمعت الاشعث بن قيس الكندي وجويبر الختلي قالا لعلي أمير المؤمنين عليه السلام: (8) حدثنا

 

(1) في المصدر: عن ابراهيم بن محمد بن اسحاق، عن اسحاق بن يزيد. (2) امالي الشيخ: 214. (3 و 4) تفحصنا المصدر " بشارة المصطفى " ولم نجد فيه مثل الحديث المنقول عن الامالى بالسندين المذكورين في المتن، نعم يوجد فيه مثل الحديث عن يحيى بن محمد الجوانى باسناده عن زيد بن أرقم لكن بين السندين اختلاف، راجع ص 143. (5) ليس في المصدر " وعن الحارث عن على ع ". (6) في المصدر: ثمرها. (7) امالي الشيخ: 225. (8) في المصدر: قالا لعلى ع: يا أمير المؤمنين اه‍.

 

[44]

في خلواتك أنت وفاطمة، قال: نعم بينا أنا وفاطمة في كساء إذ أقبل رسول الله نصف الليل وكان يأتيها بالتمر واللبن ليعينها على الغلامين، فدخل فوضع رجلا بحبالي ورجلا بحبالها، ثم إن فاطمة عليها السلام بكت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يا بنية محمد ؟ فقالت: حالنا كما ترى في كساء نصفه تحتنا ونصفه فوقنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لها (1): يا فاطمة أما تعلمين أن الله تعالى اطلع اطلاعة من سمائه إلى أرضه فاختار منها أباك فاتخذه صفيا وابتعثه برسالته وائتمنه على وحيه ؟ يا فاطمة أما تعلمين أن الله اطلع اطلاعة من سمائه إلى أرضه فاختار منها بعلك وأمرني أن ازوجكيه وأن أتخذه وصيا ؟ يا فاطمة أما تعلمين أن العرش سأل ربه أن يزينه بزينة لم يزين بها بشرا من خلقه فزينه بالحسن والحسين ركنين من أركان الجنة ؟ وروي ركن [ركنين] من أركان العرش. (2) 21 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن القاسم بن زكريا، عن حسين ابن نصر بن مزاحم، عن أبيه، عن أبي خالد الواسطي، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله (3) فقال: يا رسول الله أي الخلق أحب إليك ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وأنا إلى جنبه - (4): هذا وابناه وامهما، هم مني وأنا منهم وهم معي في الجنة هكذا - وجمع بين أصبعيه - (5). 22 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيدالله بن الحسين بن إبراهيم العلوي، عن محمد بن علي بن حمزة العلوي، عن أبيه، عن الحسين بن زيد بن علي قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهم السلام عن سن جدنا علي بن الحسين عليه السلام قال: (6) أخبرني أبي عن أبيه علي بن الحسين قال: كنت أمشي خلف عمي وأبي الحسن والحسين (7)

 

(1) في المصدر: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) امالي الشيخ: 259. (3) في المصدر: إلى النبي صلى الله عليه وآله. (4) =: قال: وأنا إلى جنبه فقال اه‍. (5) امالي الشيخ: 288. (6) في المصدر: فقال. (7) =: خلف عمى الحسن وابى الحسين.

 

[45]

في بعض طرقات المدينة في العام الذي قبض فيه عمي الحسن وأنا يومئذ غلام قد ناهزت الحلم أو كدت (1)، فلقيهما جابر بن عبد الله وأنس بن مالك الانصاريان في جماعة من قريش والانصار، فما تمالك جابر بن عبد الله حتى أكب على أيديهما وأرجلهما يقبلهما، فقال له رجل من قريش كان نسيبا لمروان: (2) أتصنع هذا يا أبا عبد الله في سنك (3) وموضعك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ - وكان جابر قد شهد بدرا - فقال له: إليك عني فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ومكانهما ما أعلم لقبلت ما تحت أقدامهما من التراب. ثم اقبل جابر على أنس بن مالك فقال: يا أبا حمزة أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهما بأمر ما ظننته أن يكون في بشر (4) قال له أنس: وما الذي أخبرك (5) يا با عبد الله ؟ قال علي بن الحسين: فانطلق الحسن والحسين ووقفت أنا أسمع محاورة القوم، فأنشأ جابر يحدث قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم في المسجد وقد خف من حوله (6) إذ قال لي: يا جابر ادع لي حسنا وحسينا وكان صلى الله عليه وآله شديد الكلف بهما (7)، فانطلقت فدعوتهما وأقبلت أحمل هذا مرة وهذا مرة (8) حتى جئته بهما، فقال لي - وأنا أعرف السرور في وجهه لما رأى من حنوي عليهما (9) وتكريمي إياهما -: أتحبهما يا جابر ؟ قلت: وما يمنعني من ذلك فداك أبي وامي ومكانهما منك (10) مكانهما ؟ قال: أفلا اخبرك عن

 

(1) في المصدر: وأنا يومئذ غلام لم اراهق أو كدت. (2) النسيب: القريب. (3) في المصدر: وانت في سنك هذا. (4) =: انه يكون في بشر. (5) =: وبماذا أخبرك. (6) خف القوم: ارتحلوا مسرعين وقلوا. وفى المصدر " وقد حف من حوله " أي أحدقوا واستداروا به. (7) كلفه: أحبه حبا شديدا وأولع به. والكلف - بكسر اوله وسكون ثانيه -: الرجل العاشق. (8) في المصدر: وهذا اخرى. (9) الحنو: العطوفة. وفى المصدر: لما رأى من محبتى لهما. (10) في المصدر: وأنا اعرف مكانهما منك.

 

[46]

فضلهما ؟ قلت: بلى بأبي أنت وامي، قال صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى لما أراد (1) أن يخلقني خلقني نطفة بيضاء طيبة فأودعها صلب أبي آدم، فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر إلى نوح وإبراهيم عليهما السلام ثم كذلك إلى عبد المطلب، فلم يصبني من دنس الجاهلية شئ، ثم افترقت تلك النطفة شطرين إلى عبد الله وأبي طالب، فولدني أبي فختم الله بي النبوة، وولد علي فختمت به الوصية، ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي فولدتا (2) الجهر والجهير: الحسنان، فختم الله بهما (3) أسباط النبوة وجعل ذريتي منهما والذي يفتح مدينة - أو قال: مدائن - الكفر ويملا أرض الله عدلا بعد ما ملئت جورا، فهما طهران مطهران، (4) وهما سيدا شباب أهل الجنة، طوبى لمن أحبهما وأباهما وامهما، وويل لمن حادهم وأبغضهم (5). بيان: ناهزت الحلم أو كدت أي قربت من البلوغ أو كدت أن أكون بالغا. وترديده عليه السلام إما للمصلحة أو المعنى أني كنت في سن لو كان غيري في مثله لكان الامران فيه محتملين، فإن بلوغهم وحلمهم ليس كسائر الناس، وعلى المشهور من تاريخهم عليهم السلام كان للسجاد عليه السلام في تلك السنة إحدى عشرة سنة وقيل: ثلاثة عشرة سنة، ويمكن أن يكون وجه المصلحة في التبهيم الاختلاف في سن البلوغ. وقال الجزري: فيه " أكلفوا من العمل ما تطيقون " يقال: كلفت بهذا الامر أكلف به إذا ولعت به وأحببته (6). وقال الفيروز آبادي: حنت على ولدها حنوا كعلو: عطفت (7). وقال: جهر وجهير: بين الجهورة والجهارة ذو منظر، والجهر

 

(1) في المصدر: لما أحب. (2) =: فولدنا. (3) =: فختم بهما. (4) =: وامرني بفتح مدينة - أو قال مدائن - الكفر ومن ذرية هذا - وأشار إلى الحسين عليه السلام - رجل يخرج في آخر الزمان يملا الارض عدلا كما ملئت ظلما وجورا، فهما طاهران مطهران. (5) امالي الشيخ: 318 و 319. وفيه: وويل لمن حاربهم وأبغضهم. (6) النهاية 4: 31. (7) القاموس 4: 320. وفيه: حنت على أولادها. (*)

 

[47]

بالضم هيئة الرجل وحسن منظره، والجهير: الجميل والخليق للمعروف، والاجهر الحسن المنظر والجسم: التامة (1). وفي النهاية في صفته صلى الله عليه وآله " من رآه جهره " أي عظم في عينه، يقال: جهرت الرجل واجتهرته إذا رأيته عظيم المنظر، ورجل جهير أي ذو منظر (2). 23 - مع: العجلي، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم جالسا وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال: والذي بعثني بالحق بشيرا ما على وجه الارض خلق أحب إلى الله عزوجل ولا أكرم عليه منا إن الله تبارك وتعالى شق لي اسما من أسمائه فهو محمود وأنا محمد، وشق لك يا علي اسما من أسمائه فهو العلي الاعلى وأنت علي، وشق لك يا حسن اسما من أسمائه فهو المحسن وأنت حسن، وشق لك يا حسين اسما من أسمائه فهو ذو الاحسان وأنت حسين، وشق لك يا فاطمة اسما من أسمائه فهو الفاطر وأنت فاطمة، ثم قال: اللهم إني اشهدك أني سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، ومحب لمن أحبهم، ومبغض لمن أبغضهم، وعدو لمن عاداهم، وولي لمن والاهم، لانهم مني وأنا منهم (3). 24 - شف: من كتاب الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمار، عن أبيه، عن أبي إسحاق إبراهيم وأبيه علي بن الحسن معا، عن أحمد بن عبد الباقي، عن عبد الملك بن عيسى العسكري، عن أبي الحسن علي بن عثمان، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن موسى اللؤلؤئي، عن عبد الله بن مسلم، عن الازهري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رأيت ليلة اسري بي إلى السماء الرابعة ديكا بدنه درة بيضاء (4)، وعيناه يا قوتتان حمراوان، ورجلاه من الزبرجد الاخضر، وهو ينادي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله،

 

(1) القاموس 1: 395. (2) النهاية: 1: 191. (3) معاني الاخبار: 55 و 56. (4) في المصدر: ديكا من زبرجدة بيضاء.

 

[48]

علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ولي الله، فاطمة وولدها الحسن والحسين صفوة الله، يا غافلين اذكروا الله، على مبغضهم لعنة الله (1). 25 - شا: محمد بن العباس الرازي، عن محمد بن خالد، عن إبراهيم بن عبد الله، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عدي بن حكيم، عن عبد الله بن العباس قال: قال: لنا أهل البيت سبع خصال مامنهن خصلة في الناس: منا النبي، ومنا الوصي خير هذه الامة بعده علي بن أبي طالب عليه السلام، ومنا حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء، ومنا جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، ومنا سبطا هذه الامة وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، ومنا قائم آل محمد الذي أكرم الله به نبيه، ومنا المنصور (2). بيان: لعل المراد بالمنصور أيضا القائم عليه السلام بقرينة أن بالقائم يتم السبع، ويحتمل أن يكون المراد به الحسين عليه السلام فإنه منصور في الرجعة، وسيأتي ما يؤيده. 26 - جا: عمر بن محمد الصيرفي، عن محمد بن إدريس، عن الحسن بن عطية، عن إسرائيل بن ميسرة، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن حذيفة قال: قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أما رأيت الشخص الذي اعترض لي ؟ (3) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ذاك ملك لم يهبط قط إلى الارض قبل الساعة، استأذن الله عزوجل في السلام على علي فأذن له، فسلم عليه وبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة (4). 27 - م: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما سوى الله قط امرأة برجل إلا ما كان من

 

(1) اليقين: 141. وأنت خبير بأن المصنف قدس سره قد عين رمز " شف " عند تعيين الرموز في أول المجلد الاول لكشف اليقين، وهو من تأليفات العلامة رحمه الله، لكن الروايات التى يوردها مرمزا: " سف " توجد في كتاب " اليقين في إمرة أمير المؤمنين " تأليف السيد ابن طاوس، فالظاهر وقوع سهو منه قدس سره أو من الناسخين. (2) بشارة المصطفى: 16 و 17. (3) أي لقيني. (4) امالي الشيخ المفيد: 13.

 

[49]

تسوية الله فاطمة بعلي عليهما السلام وإلحاقها وهي امرأة بأفضل رجال العالمين، (1) وكذلك ما كان من الحسن والحسين وإلحاق الله إياهما بالافضلين الاكرمين لما أدخلهم في المباهلة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فألحق الله فاطمة بمحمد وعلي في الشهادة، وألحق الحسن والحسين بهم، قال الله تعالى: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (2) " فكان الابناء الحسن والحسين جاء بهما رسول الله فأقعدهما بين يديه كجروي الاسد (3)، وأما النساء فكانت فاطمة جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وأقعدها خلفه كلبوة الاسد (4)، وأما الانفس فكان (5) علي بن أبي طالب عليه السلام جاء به رسول الله فأقعده على يمينه (6) كالاسد، وربض (7) هو كالاسد، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لاهل نجران: هلموا الآن نتباهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم هذا نفسي وهو عندي عدل نفسي، اللهم هذه نسائي أفضل نساء العالمين، وقال: اللهم هذان ولداي وسبطاي، فأنا حرب لمن حاربوا وسلم لمن سالموا، ميز الله تعالى (8) عند ذلك الصادقين من الكاذبين، فجعل محمد وعليا وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام أصدق الصادقين وأفضل المؤمنين، فأما محمد فهو أفضل رجال العالمين (9)، وأما علي فهو نفس محمد أفضل رجال العالمين بعده، وأما فاطمة فأفضل نساء العالمين، وأما الحسن والحسين فسيدا شباب أهل الجنة إلا ما كان من ابني الخالة عيسى ويحيى (10)،

 

(1) في المصدر: وإلحاقها به وهى امرأة وأفضل نساء العالمين. (2) سورة آل عمران: 61. (3) الجرو - بتثليث الجيم -: صغير كل شئ حتى الرمان والبطيخ، وغلب على ولد الكلب والاسد. (4) لبوة الاسد: انثاه. (5) في المصدر: فكانت. (6) =: فأقعده عن يمينه. (7) ربض الاسد على فريسته: برك. (8) في المصدر: يميز الله تعالى. (9) =: وأما محمد فأفضل رجال العالمين. (10) =: ويحيى بن زكريا.

 

[50]

فإن الله تعالى ما ألحق صبيانا برجال كاملي العقول (1) إلا هؤلاء الاربعة: عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا والحسن والحسين عليهم السلام اما عيسى فإن الله تعالى حكى قصته " فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (2) " قال الله تعالى حاكيا عن عيسى عليه السلام: " قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " (3) الآية، وقال في قصة يحيى: " يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا " (4) قال: لم يخلق أحدا قبله اسمه يحيى، فحكى الله قصته إلى قوله: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا " (5) قال: ومن ذلك الحكم أنه كان صبيا فقال له الصبيان: هلم نعلب (6)، فقال: اوه والله ما للعب خلقنا وإنما خلقنا للجد لامر عظيم، ثم قال: " وحنانا من لدنا " يعني تحننا ورحمة على والديه وسائر عبادنا " وزكاة " يعني طهارة لمن آمن به وصدقه " وكان تقيا " يتقي الشرور والمعاصي " وبر بوالديه " محسنا إليهما مطيعا لهما " ولم يكن جبارا عصيا " يقتل (7) على الغضب ويضرب على الغضب، لكنه ما من عبد عبد الله عزوجل (8) إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا، فإنه لم يذنب ولم يهم بذنب، ثم قال الله عزوجل: " وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا " (9). وقال أيضا في قصة يحيى: " هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء " (10) يعني لما رأى زكريا عند مريم فاكهة الشتاء في

 

(1) في المصدر: كاملى العقل. (2) سورة مريم: 29. (3) سورة مريم: 30. (4) = =: 7. (5) = =، 12. (6) في المصدر: هلم تلعب. (7) =: فيقتل. (8) =: وفى (د): عبد لله عزوجل. (9) سورة مريم: 13 - 15. (10) سورة آل عمران: 38.

 

[51]

الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء وقال لها: " يا مريم أنى لك هذا قالت هومن عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " وأيقن زكريا أنه من عند الله إذ كان (1) لا يدخل عليها أحد غيره قال عند ذلك في نفسه (2): إن الذي يقدر أن يأتي لمريم بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء لقادر أن يهب لي ولدا وإن كنت شيخا وكانت امرأتي عاقرا، فهنالك دعا زكريا ربه فقال: " رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء " قال الله عزوجل: فنادته الملائكة " يعني نادت زكريا " وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ييحى مصدقا بكلمة من الله " قال: مصدقا بعيسى: يصدق يحيى بعيسى (3) " وسيدا " بمعنى رئيسا في طاعة الله على أهل طاعته " وحصورا " وهو الذي لا يأتي النساء " ونيبا من الصالحين (4) ". قال: وكان أول تصديق يحيى بعيسى عليهما السلام أن زكريا كان لا يصعد إلى مريم في تلك الصومعة غيره، يصعد إليها بسلم فإذا نزل أقفل عليها، ثم فتح لها من فوق الباب كوة (5) صغيرة يدخل عليها منها الريح، فلما وجد مريم وقد حبلت (6) ساءه ذلك وقال في نفسه: ما كان يصعد إلى هذه أحد غيري وقد حبلت، والآن أفتضح في بني إسرائيل لا يشكون أني أحبلتها، فجاء إلى امرأته فقال لها ذلك، فقالت: يا زكريا لا تخف فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا، وائتني بمريم أنظر إليها وأسألها عن حالها، فجاء بها زكريا إلى امرأته، فكفى الله مريم مؤونة الجواب عن السؤال: ولما دخلت إلى اختها وهي الكبرى ومريم الصغرى لم تقم إليها امرأة زكريا، فأذن الله ليحيى وهو في بطن امه فنخس (7) في بطنها وأزعجها ونادى: امه (8) تدخل إليك سيدة نساء * (هامش) (1) ليست كلمة " كان " في المصدر. (2) في المصدر: قال في نفسه عند ذلك. والجملة جواب لما. (3) ليست هذه الجملة في المصدر. (4) سورة آل عمران: 39. (5) الكوة - بفتح الكاف وضمها - الخرق في الحائط. (6) في المصدر: فلما وجد مريم قد حبلت. (7) نخسه: ازعجه وهيجه. (8) في المصدر: وناداها يا امه.


 

[52]

العالمين مشتملة على سيد رجال العالمين ولا تقومين إليها ؟ (1) فانزعجت وقامت إليها، وسجد يحيى وهو في بطن امه لعيسى بن مريم، فذلك أول تصديقه له، فذلك قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الحسن والحسين عليهما السلام أنهما سيدا شباب أهل الجنة إلا ما كان من ابني الخالة يحيى وعيسى (2). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هؤلاء الاربعة عيسى ويحيى والحسن والحسين وهب الله لهم الحكمة (3)، وأبانهم بالصدق من الكاذبين، فجعلهم من أفضل الصادقين في زمانهم وألحقهم بالرجال الفاضلين البالغين، وفاطمة جعلها من أفضل الصادقين لما ميز الصادقين من الكاذبين، وعلي عليه السلام جعله نفس رسول الله، ومحمد رسول الله جعله أفضل خلق الله (4) عزوجل. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لله عزوجل خيارا من كل ما خلقه، فله من البقاع خيار، وله من الليالي والايام خيار، وله من الشهور خيار، وله من عباده خيار، وله من خيارهم خيار، فأما خياره من البقاع فمكة والمدينة وبيت المقدس، فإن صلاتي (5) في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام والمسجد الاقصى - يعني مكة وبيت المقدس - وأما خياره من الليالي فليالي الجمع (6) وليلة النصف من شعبان وليلة القدر وليلتا العيدين، وأما خياره من الايام فأيام الجمع (7) والاعياد وأما خياره من الشهور فرجب وشعبان وشهر رمضان، وأما خياره من عباده فولد آدم، وخياره من ولد آدم من اختارهم (8) على علم منه بهم، فإن الله عزوجل لما اختار خلقه اختار ولد آدم، ثم اختار من ولد آدم العرب، ثم اختار العرب مضر، ثم اختار من

 

(1) في المصدر: فلا تقومن إليها. (2) =: عيسى ويحيى. (3) =: الحكم. (4) في (ك): اول خلق الله. (5) الصحيح كما في المصدر: وان صلاة. (6) في المصدر: فليالى الجمعة. (7) =: فأيام الجمعة. (8) =: من اختاره.

 

[53]

مضر قريشا، ثم اختار من قريش هاشما، ثم اختار من هاشم أنا (1) وأهل بيتي كذلك فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم، وإن الله عزوجل اختار من الشهور شهر رجب وشعبان وشهر رمضان (2). ثم قال رسول الله: يا عباد الله فكم من سعيد في شهر شعبان في ذلك فكم من شقي به هناك، ألا انبئكم بمثل محمد وآله ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: محمد في عباد الله كشهر رمضان في الشهور، وآل محمد في عباد الله كشهر شعبان في الشهور، وعلي بن أبي طالب عليه السلام في آل محمد كأفضل أيام شعبان ولياليه، وهو ليلة نصفه ويومه، وسائر المؤمنين في آل محمد كشهر رجب في شهر شعبان، هو درجات عند الله وطبقات، فأجدهم في طاعه الله أقربهم شبها بآل محمد. إلا انبئكم برجل قد جعله الله من آل محمد كأوائل أيام رجب من أوائل أيام شعبان ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: منهم الذي يهتز عرش الرحمان لموته (3)، ويستبشر الملائكة في السماوات بقدومه، ويخدمه في عرصات القيامة وفي الجنان من الملائكة ألف ضعف عدد أهل الدنيا في أول الدهر إلى آخره، ولا يميته الله في هذه الدنيا حتى يشفيه من أعدائه ويشفي صاحبا له وأخا في الله مساعدا له على تعظيم آل محمد صلى الله عليه وآله، قالوا: ومن ذلك يا رسول الله ؟ قال: ها هو مقبل عليكم غضبانا، فاسألوه عن غضبه فإن غضبه لآل محمد صلى الله عليه وسلم وآله خصوصا لعلي بن أبي طالب عليه السلام. فطمح القوم بأعناقهم وشخصوا بأبصارهم (4) ونظروا فإذا أول طالع عليهم سعد ابن معاذ وهو غضبان، فأقبل فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله (5) قال له: يا سعد أما إن غضب الله لما غضب له أشد، فما الذي أغضبك ؟ حدثنا (6) بما قلته في غضبك حتى احدثك بما قالته الملائكة لمن قلت له وقالته الملائكة لله عزوجل وأجابها الله عزوجل،

 

(1) في المصدر: ثم اختارني من هاشم اه‍. (2) قد أسقط المصنف من هنا ما لا يناسب المقام. (3) في المصدر: فهو الذى يهتز عرش الرحمان بموته. (4) طمح بصره إليه: ارتفع ونظره شديدا. شخص بصره: فتح عينيه فلم يطرف. (5) في المصدر: فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله. (6) =: حدثنى خ ل.

 

[54]

فقال سعد: بأبي أنت وامي يا رسول الله بينا أنا جالس على بابي وبحضرتي (1) نفر من أصحاب الانصار (2) إذ تمادى رجلان من الانصار قد دب في أحدهما النفاق (3)، فكرهت أن أدخل بينهما مخافة أن يزداد شرهما، وأردت أن يتكافا فلم يتكافا (4)، وتماديا في شرهما حتى انتهيا (5) إلى أن جرد كل واحد منهما السيف على صاحبه، فأخذ هذا سيفه وترسه وهذا سيفه وترسه (6) وتجادلا وتضاربا، فجعل كل واحد منهما (7) يتقي سيف صاحبه بدرقته، (8) وكرهت أن أدخل بينهما مخافة أن تمتد إلي يد خاطئة، وقلت في نفسي: اللهم انصر أحبهما لنبيك وآله. فما زالا يتجاولان لا يتمكن (9) واحد منهما من الآخر إلى أن اطلع علينا أخوك علي بن أبي طالب عليه السلام فصحت بهما: هذا علي بن أبي طالب لم تواقراه ؟ فواقراه وتكافا، وهذا أخو رسول الله وأفضل آل محمد، فأما أحدهما فإنه لما سمع مقالتي رمى بسيفه ودرقته من يده، وأما الآخر فلم يحفل (10) بذلك، فتمكن لاستسلام صاحبه منه، فقطعه بسيفه قطعا أصابه بنيف وعشرين ضربة، فغضبت عليه ووجدت من ذلك وجدا (11) شديدا، وقلت له: يا عبد الله بئس العبد أنت لم توقر أخا رسول الله وأثخنت بالجراح (12) من وقره، وقد كان لك قرنا كفيا بدفاعك عن نفسه، وما تمكنت منه إلا بتوقيره أخا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

(1) في المصدر: ويحضرنى. (2) = وفى (د) من أصحابي الانصار. وفى المصدر: من الاصحاب خ ل. (3) تمادى في غيه: دام على فعله ولج. دب: سرى وجرى. وفى المصدر: فرأيت في أحدهما النفاق. 4) أي أردت ان يكف كل منهما عن الاخر فلم يكف. (5) في المصدر: حتى تواثبا. (6) الترس - بضم التاء -: صفحة من الفولاد تحمل للوقاية من السيف ونحوه. (7) في المصدر: فيجعل كل منهما. (8) الدرقة - بالفتحات -: الترس. (9) في المصدر: فما زالا يتجاولان ولا يتمكن اه‍. (10) أي ما بالى به ولا اهتم له. (11) الوجد: الغضب. (12) أثخنته الجراح: أوهنته وأضعفته.

 

[55]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فما الذي صنع علي بن أبي طالب لما كف صاحبك وتعدى عليه الآخر ؟ قال: جعل ينظر إليه وهو يضرب (1) بسيفه لا يقول شيئا ولا يفعله (2)، ثم جاز وتركهما، وإن ذلك المضروب لعله بآخر رمق. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا سعد لعلك ظننت (3) أن ذلك الباغي المتعدي ظافر، إنه ما ظفر، يغنم من ظفر بظلم ؟ ! (4)، إن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من دنياه، إنه لا يحصد من المر حلو ولا من الحلو مر، وأما غضبك لذلك المظلوم على ذلك الظالم فغضب الله عليه (5) أشد من ذلك وغضب الملائكة على ذلك الظالم لذلك المظلوم، وأما كف علي بن أبي طالب عن نصرة ذلك المظلوم فإن ذلك لما أراد الله من إظهار آيات محمد في ذلك، لا احدثك يا سعد بما قال الله وقالته الملائكة لذلك الظالم ولذلك المظلوم ولك حتى تأتيني بالرجل المثخن فترى فيه آيات الله المصدقة لمحمد صلى الله عليه وآله، فقال سعد: يارسول الله وكيف آتي به وعنقه متعلقة (6) بجلدة رقيقة، ويده ورجله كذلك، وإن حركته تميزت أعضاؤه وتفا